تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أكثر الناس يعمون عن نقط ضعفهم كما يعمى الطيار عن موضع الضعف في الطائرة، فيطير بها ويسقط، فإن هو عرف عيبها فإما ألا يطير وإما أن يتدارك العيب وإما أن يطير في حدود عيبه.

فلأواجه مواطن ضعفي وأخطائي كما هي، ولأعترف بها في صراحة بيني وبين نفسي، ثم لأرسم الطريق الذي يناسبها، ولأطمئن إلى ذلك، فلكل إنسان مواطن ضعفه. وليس من الضروري أن تكون مواطن الضعف علامة الرجل الضعيف، بل في كل قوي أيضا مواطن ضعف، فإن أمكنك معرفة أسبابها وإزالتها فبها ونعمت، وإلا فارض بما كان واستعمله خير استعمال.

لقد حدثت في حياتك أحداث في عهد الصبا والبلوغ والشباب كان لها أثر كبير في تكوين نفسك كما هي الآن، فإن تعسر عليك تغييرها فأحسن استخدامها.

ولا تأس على مواطن ضعفك، فالكهرباء قد تكون قوية فتحرق. ولو كانت أضعف لأدت الغرض، وقد تنفع الحصاة حيث لا ينفع الحجر، وقد ينفع الجدول ما لا ينفع البحر.

وهنا رفعت رأسي فرأيت غروب الشمس في البحر ومنظره الجليل الرائع، فتركت ما كنت فيه وفنيت في هذا الجلال الرائع.

| في الهواء الطلق (2)

عدت فجلست جلستي على البحر ونفسي.

هذا هو البحر لست أرى إلا ظاهره، أمواج يلعب بها الهواء، وألوان تجمعت من صفرة الرمل وزرقة السماء، أما ما في باطنه من مملكة بل ممالك، من أسماك ووحوش ولؤلؤ ومرجان فلست أراها ولكني أعلمها.

وهذا هو الشأن في الرواية التمثيلية التي شهدتها أمس. رأيت الممثلين من رجال ونساء وشبان وكهول، وكلام يقال وأعمال تصدر، ولكن هذا هو الظاهر فقط، وراء هذا كله ما لم نره وهو الأهم، مؤلف يؤلف الرواية، ومخرج يعدها وممثلون يحفظون أدوارهم، ومناظر تعد، وأدوار توزع على اللائقين بها، وملقن يستعد أن يلقن من نسي ونحو ذلك من أمور باطنة ليس مظهر الرواية إلا انعكاسا لها.

وهكذا كل أمور الدنيا، ظواهر تستر البواطن.

فعد إلى نفسك تر أن كل أعمالك التي تظهر أمام الناس من خير وشر ليست إلا ظواهر كمظهر البحر ومظهر التمثيل، تنبعث من عوامل باطنة تجمعت في من يوم كنت حملا في بطن أمي.

لقد احترقت أختي الشابة من نار هبت فيها وأنا جنين، فغذيت بدم حزين، فلعله أثر في أثرا كبيرا إلى اليوم، أميل ما أكون إلى الحزن، تعجبني الأدوار الحزينة في الغناء، والمأساة دون الملهاة في التمثيل، وأسر للدمعة تسقط من عيني أكثر من الضحكة تظهر على فمي، وتهتز أعصابي لعوامل الحزن أكثر مما تهتز لعوامل السرور، وليس ببعد أن يكون كل هذا من أجل كوب من دم حزين كون جسمي في بدء التكوين.

ها أنا ذا خجول أتعثر في مشيتي إذا شعرت أن أحدا ينظر إلي، وأكره الاجتماعات والحفلات، وأن أمر بين قوم جلوس في مأتم أو حفل، وأحسب ألف حساب لكل ما يصدر مني من عمل أو تأليف خوف أن يأتي هزيلا يستخفه الناس. ولا أستطيع أن أنظر في وجه من يحدثني أو أحدثه وهكذا، ولا شك أن هذه عادة تكونت منذ الصبا أيام كان والدي رحمه الله يكثر من صيغ النهي «لا تقل هذا» «لا تفعل هذا» وأيام كان يعاقبني العقاب الشديد على الغلطة اليسيرة، أو حتى ما ليس غلطة من الصغار. كل هذا سلبني حرية العمل وسلسلني بقيود كانت نتيجتها هذا الخجل.

وهكذا لو تتبعت كل ما يصدر مني من عمل، وما أتصف به من صفات لسهل علي الرجوع بها إلى أحداث تجمعت في بطء وتدرج منذ الطفولة، ونمتها أو أضعفتها حوادث الصبا والشباب والكهولة.

فكم في من صور رسمها كتاب سيدنا الأول بحدته وشدته، وكتاب سيدنا الثاني بلينه وفوضاه، ومن صور رسمها أبي وأمي وإخوتي، ومن صور رسمتها مدرسة والدة عباس باشا الأول بمدرستها في الرياضة الشديد القاسي ومدرسها في اللغة العربية اللين المرح، وتلاميذها المختلفي الأشكال والألوان كل هذه الصور وأمثالها اختفت في الوعي الباطن كما يختفي السمك في هذا البحر، ولكن لا تزال تعمل عملها في البواعث لي على العمل أو الترك وتنعكس صورها بأشكال شتى على أعمالي الظاهرة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٧٦