إذا حدثت حادثة في الصين فقلما تثير في اهتماما؛ لأنها لا تتصل بدنياي الصغرى، فإذا هي حدثت في شارعي كنت لها أكثر اهتماما، فإن هي حدثت لصديقي أو عدوي تضاعف اهتمامي، فإن هي حدثت في بيتي كانت في الصميم من نفسي، واقرأ أعمدة الوفيات في الجرائد والأخبار المحلية وغير المحلية فتوقع كلها على نفسي نغمات مختلفة، علوا وانخفاضا وغلظا ورقة، فكلما كان الخبر يمس نفسي الصغرى علت النغمة وعظم الأثر، ولذلك كانت الجريدة الناجحة هي التي تثير انفعال أكبر عدد ممكن، لأنها تغذي النفوس المختلفة والدنى المختلفة، دنيا التاجر ودنيا السياسي ودنيا العالم إلخ.
وما يؤثر في كثيرا يؤثر في آخر قليلا ولا يؤثر في ثالث مطلقا، وما يؤثر في اليوم كثيرا كان يؤثر في أمس قليلا، وسوف لا يؤثر في غدا مطلقا؛ لأنه كان يمس دنياي ثم سوف لا يمسها، كان فيها ثم خرج من حسابها.
وقيمة أعمالي في نظري غير قيمتها في نظرك، لأنها منبعثة عن دنياي لا دنياك، ومؤثرة في دنياي أكثر مما هي مؤثرة في دنياك، وما يغضبني غير ما يغضبك، وما يسرني غير ما يسرك، نوعا وكيفا؛ لأن رأيي ومشاعري وشخصيتي ودنياي غير ذلك كله عندك، وأنا أعرف بالباعث لي على أعمالي أكثر مما تعرف.
وأنا وأنت وهو وهي نختلف في حكمنا على الأشياء ونتفق بمقدار ما بيننا من فروق وموافقات، في البواعث والرأي والمشاعر، وبعبارة أخرى بمقدار ما بيننا من فروق وموافقات، في البواعث والرأي والمشاعر، وبعبارة أخرى بمقدار ما تتشابه دنيانا أو تتخالف، فعند أغلب الناس وجوه شبه تنتج اتحاد رأي، ووجوه خلاف تنتج اختلاف رأي، ولا يمكن أن تجد اثنين قد اتحدت دنياهما.
في دنياي وفي دنيا كل إنسان متاعب كثيرة مختلفة الألوان، بعضها حقيقي وأكثرها وهمي، نحب أن تكون دنيانا الصغرى أحسن الدنى، وليس ذلك في الإمكان، فلو كانت دنياي أحسن الدنى لكانت دنياك بالطبيعة أقل منها شأنا، وهذا لا يرضيك، وتظن أن الله لك وحدك، ترجوه أن يمنحك أحسن الطيبات، ويدفع عنك كل الشرور، مع أن الله للجميع ولأرضك ولسمائك ولكل العوالم، وما أنت وعالمك والنظرة إلى العوالم قد تستلزم محوك من الوجود؟ نريد أن تكون دنيانا كما نحب أن نصنعها، وهذا علة كثير من المتاعب، ولكن كيف يمكننا أن نصنع دنيانا وليس فينا قدرة الخلق، ودنيانا مرتبطة كل الارتباط بدنيا غيرنا ومتأثرة بها وفاعلة ومنفعلة معها؟
إن كثيرا من المتاعب ليس سببها المتاعب نفسها، ولكن علتها النفس التي تنظر إلى الأشياء على أنها متاعب، ولا يمكن تغييرها حتى تغير نفسك، ولكن كيف ذلك ونحن المتاعب؟ إننا في دنيانا كالعصفور في القفص ندور فيه ونحن نحن والقفص القفص.
كثير منا يظن أنه فوق القدر وهو لا محالة تحت القدر، وما كان ميلادنا ولا دنيانا الصغرى ولا الكبرى باختيارنا، ولكن تفتحت أعيننا فوجدنا كذلك أنفسنا وكذلك دنيانا.
ولعل العلاج الوحيد للتغلب على هذه المتاعب الوهمية معرفة الإنسان نفسه ودنياه، فهو إن عرفها بعيوبها ومزاياها أمكنه تسييرها في الطريق الذي يناسبها، يواجه مواضع الضعف على أنها مواضع ضعف ومواضع القوة على أنها مواضع قوة، وقد يستطيع أن يسلك بمواضع الضعف مسلكا يضيع سوء نتائجها.
لقد اضطرت طائرة إلى النزول في الصحراء براكبيها الثلاثة في قليل من الطعام وقليل من الماء؛ فأما أحدهم فأخذ يفكر في دنياه من زوجة وأولاد وفيما ينتظره من موت، وكلما قل الزاد والماء تضاعف قلقه، وأخيرا مات. والثاني فكر في نفسه وحرمانها من لذائذها وفي قلة الطعام والشراب وشظف ما فيه من عيش، وتزايد الأمر به حتى جن، وأما الثالث فشغل نفسه بكتابة مذكرات عن حالتهم النفسية، وأخذ يحللها ويشرحها ويسلي نفسه بتدوين خطراته وملاحظاته، فنجا من الموت والجنون حتى ساق له القدر من أنقذه.