بل بعض هذه الصور غرقت في الأعماق، ولست أذكرها مهما أجهدت ذاكرتي في استحضارها، وهي مع ذلك تعمل عملها وتلعب دورها، وهذا يفسر ما يحدث مني ولا أدري كيف أتيته، وما أتجنب ولا أدري كيف تجنبته , وما لم أضع يدي على هذه الصور الغريقة في الأعماق وأخرجها إلى نور الشمس فلا يمكن العلاج ولا الإصلاح.
وإن الصور التي اختزنتها في حياتي لا تماثل أي صور اختزنها أي إنسان غيري، ولذلك كانت مشاعري وعقليتي وبواعثي وأغراضي ونظرتي إلى الدنيا وتقويمي للأشياء وحكمي لها أو عليها لا يشاركني فيها جميعا أي إنسان آخر في الوجود، وإنما يقرب مني في تفكيري ومشاعري من حاز في حياته صورا تشبه صوري؛ ومن أجل هذا اختلف الناس في الحق والباطل وتقدير الجميل والقبيح، وما يجب أن يعمل وما يجب أن يترك، واختلفت نفوسهم كما اختلفت وجوههم، وكأن كل إنسان أمة وحده.
وندر أن يمنح إنسان ما صحة كاملة في مشاعره وعقله كما ندر أن يمنح صحة كاملة في جسمه، بل لكل إنسان مواطن ضعف، هذا ضعيف الذاكرة، وهذا بليد الشعور وهذا حاد العاطفة. وهذا ضيف الإرادة، وهكذا من آلاف الأشكال والألوان. فإذا أضيف إلى ذلك اختلاف ما يختزنه الأشخاص في حياتهم من صور بسبب ما يعرض لهم من أحداث كان الاختلاف بينهم أتم وأوضح.
هذا كله يسلمنا إلى نتيجتين:
النتيجة الأولى:
أن كل إنسان له قانونه، وليس هناك قانون إصلاحي أخلاقي يسري في تفاصيله على الجميع، وأن لكل إنسان متاعبه الخاصة الناشئة من تاريخه الخاص لا يشاركه في كميتها وكيفيتها غيره، وأنه إن أريد معالجتها يجب أن نسير فيها سيرنا في طب الأجسام، فلا يمكن لطبيب أن يصف علاجا عاما لمرضى مختلفين، ولا يمكن أن يعالج المريض غيابيا، بل لا بد أن يضع يده على مكان المرض ويعرف أسبابه ثم يصف دواءه.
وأصعب الأمر في علاج النفس أنها في كثير من الأحيان تخدع نفسها وتغشها وتكذب عليها وتجتهد في إخفاء عيوبها عن نفسها لأنها تشعر بالنقيصة في الإقرار بعيبها حتى أمام نفسها، فما أصعب أن نضع أيدينا عليها من وراء حجبها، فقد يكون في باطن نفوسنا شعور بالكره لآبائنا أو أمهاتنا أو زوجاتنا لسبب من الأسباب، وواجب الوفاء يقضي بحبهم، فتتعقد المشاعر، وقد نحب أن نعمل أشياء والتقاليد الاجتماعية تأبى الإتيان بها، أو نحب أن نتجنب أعمالا والواجبات الاجتماعية ترى وجوب عملها ونحو ذلك، فتكتب في نفوسنا مشاعر قد لا ندركها في وعينا الظاهر.
لذلك كان من أهم النعم أن يرزق الإنسان صديقا يفضي إليه بمكامن نفسه، ثم يشجعه هذا الصديق أن يقول كل شيء من غير أن يظهر له شيئا من الاحتقار، وفي كثير من الأحيان يكون المانع من إظهار كوامن النفس ما اعتاده الإنسان من أنه لا يتكلم ولا يفكر إلا إذا مر الكلام والفكر على «الرقيب» يحجز منه ما شاء، فتبقى مواضع الداء كامنة لا تعرف، فإن هو خدر الرقيب حتى لا يحجز شيئا، ولم يخضع للمنطق، وترك نفسه على سجيتها تتحدث بما يخطر لها من غير رقيب ولا منطق، أعان ذلك على ظهور الصور المخزونة على حقيقتها، وأمكنه معرفة كوامن الداء فيها.
وأيا ما كان فلا تزال كلمة سقراط «اعرف نفسك» من أصعب الأوامر وأعقدها.
والنتيجة الثانية:
ما تشعرنا به هذه المقدمات من وجوب التسامح والعفو والمغفرة لما يصدر من غيرنا، فلهم فيما يأتون به عذرهم، فهو ليس إلا نتيجة طبيعية لما اختزنوه من صور أعماق نفوسهم ولو كنا مكانهم لفعلنا فعلهم.
وهنا هبت ريح قوية أطارت الأوراق من يدي فجريت وراءها أجمعها وعاد إلي وعيي بما حولي وبالبحر.
| في الهواء الطلق (3)
وأخذنا القطار إلى المعادي ونزلنا نخترق الصحراء وفي الجو برودة، وفي الشمس دفء، وفي الحديث متاع.
جرى الحديث تباعا، من ازدحام القطار، إلى ويلات السلم بعد ويلات الحرب، إلى موقف الشرق والغرب، إلى ما كان من آمال في صلاح العالم بعد الحرب قد تبخرت، إلى العالم وتطوره، وهل هو في تقدم مستمر، أو في شقاء مستمر. وأخيرا حمي رأس صديقنا فاندفع في الكلام يشرح لنا رأيه في تطور المجتمع البشري قال: لقد كنت بالأمس أقرأ كتابا أمريكيا يشرح أن المجتمعات تجري في سيرها على قانون طبيعي لا يتخلف، وتمر بأدوار كما يمر الفرد، من طفولة إلى شباب إلى كهولة، وأن معرفة هذه القوانين أصبحت يسيرة بعد أن صارت الجمعيات البشرية على وجه الأرض في متناول البحث والدرس، وبعد أن تقدمت البحوث في المقارنات، فتخصصت طائفة من العلماء لبحث القانون المقارن، ونظام الحكومة المقارن إلخ، كل هذا كشف أحوال الناس في شتى نواحيهم، وجعلهم كتابا مفتوحا يستطيع منه العالم أن يعرف كيف تطور العالم في شتى نواحيه.