وكانت مفتونة بالأزهار أشكالا وألوانا، ففي كل ركن من أركان الحجرة أزهار، وفي وسط الحجرة أزهار، وكل يوم نوع جديد، وكان يؤلمها إذا دخلت عليها ألا أبدي إعجابي بالأزهار الجديدة وألا يكون أول حديثي عنها، ووصف شعوري نحوها، فكانت تكرر في شدة: «يجب أن يكون لك عين فنانة»، فأخذت أرضيها أول بكلمات إعجاب بالأزهار، ثم تحول ذلك إلى شعور حقيقي في القلب، وكذلك كان شأنها معي فيما تعرض علي من صور ترسمها، وكان لها من الناحية الأدبية ميل إلى الأدب الاجتماعي، وكان يظهر ذلك معي في اختيارها الكتب التي أقرؤها معها، فبدأت بإقرائي كتب اللورد «آفبري». وما زالت تترقى معي إلى أن قرأنا في السنة الرابعة، وهي في السنة الأخيرة معها كتاب «جمهورية أفلاطون»، فكنت أقرأ الفصل من الكتاب أمامها، ثم تأخذ هي في شرح نظريته، وتتبع ذلك بما طرأ على هذه النظرية من تغير، وكيف يعمل بهذه النظرية في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا إذا دعت الحال. ولعل هذا هو الذي خلق في الميل إلى الأدب الاجتماعي، فأكثر مكتبتي وكتاباتي من هذا القبيل.
أشعر أن قراءة الأدب الإنجليزي كان لها أثر كبير في نفسي من عدة نواح، فقد قوى في الميل إلى العناية بالمعنى أكثر من العناية باللفظ، حتى بالغت في ذلك، فكثيرا ما أستعمل ضمائر لا مرجع لها إلا في ذهني، ونحو ذلك مما سببه توافر قوتي على المعاني وتسلسلها دون إعطاء جانب اللفظ ما يستحقه من العناية.
كما استفدت من الأدب الإنجليزي الميل إلى البساطة في التعبير، والدخول على الموضوع من غير مقدمات طويلة، وكراهية التصنع، حتى ليعجبني أحيانا اللفظ العامي أو التعبير العامي، لا أجد مقابلة في اللغة الفصحى يغني غناءه، فأستعمله راضي النفس وإن كره اللغويون والمتشددون، وربما عددت مما أثر في من الأدب الإنجليزي مطالعات في بعض كتب
Ruskin ، فقد أثر في من ناحية مبدئه، وهو أن الفن ليس للفن، وإنما يجب أن يخضع للخلق وللصالح العام، ونظرته إلى الفن الراقي - ومنه الأدب - يجب أن يقوم بما يبعث من سمو وما يقوي من روحنا وإرادتنا.
كما أثرت في رسائل الكاتب الأمريكي
Emerson
من ناحية تفكيره المبتكر، وأسلوبه الذي يبعث الثورة، لكن بهدوء لا بعنف، وطريقته التي توعز أكثر مما تستقصي، وكتابته التي تنم عن خلق صاف طاهر.
هذه أهم العوامل العربية والأوربية التي رأيت أنها أثرت في وفي أدبي إن كان لي أدب. على أن من الحق أن يقال: إن وراء العوامل الظاهرة في تكوين كل أديب عوامل أخرى خفية قد تكون أبعد أثرا، وهو لا يلقي لها بالا، فقد تكون كلمة ألقيت لم يلتفت لقيمتها أي إنسان، ومع ذلك اختزنت في العقل الباطن للأديب وفعلت فعلها في خفاء، وكان لها نتائج قيمة جدا، وقد يكون منظر طبيعي أو منظر في سينما أو منظر في الحياة اليومية، أو كلمة في جريدة أو مجلة مرت على عين الأديب أو أذنه، وكانت في الظاهر ككل شيء غير ذي خطر يمر، ولكنها لظروف خاصة واستعداد خاص كانت كالبذرة الطيبة دفنت في خفاء وفي الظلماء، فلما آن أوانها خرجت شجرة يانعة مثمرة. وهذه هي الناحية التي يصعب على الأديب تحليلها.
في الهواء الطلق (1)
في الهواء الطلق (2)
في الهواء الطلق (3)
في الهواء الطلق (4)
في الهواء الطلق (5)
الشرق في محنته
في الحياة الروحية1
العيد المئوي
عبء الاستقلال
صفحة من التاريخ
لون من ألوان الفكاهة المصرية
في الأدب العربي (1)
في الأدب العربي (2)
في الأدب العربي (3)
في الأدب العربي (4)
في الأدب العربي (5)
في الأدب العربي (6)
أخلاق السادة
من الأقوال المأثورة: في الأدب الغربي والعربي
زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث : الشيخ محمد عبده
الفكاهة في الأدب العربي
الاتجاهات الحديثة في دراسة اللغة1