وتطلعت نفسي للكتابة في الصحف، فاخترت جريدة «المؤيد» لأكتب فيها، وكنت في السنة الثانية من مدرسة القضاء، وأول مقالة كتبتها كانت أثر انتقال سعد باشا من وزارة المعارف إلى وزارة الحقانية، فكتبت مقالة عنوانها «خطأ العقلاء» أبين فيها خطأ سعد باشا لتحوله من المعارف إلى الحقانية، فقرأها الشيخ علي يوسف ولم ينشرها؛ إما لأنه استسخفها؛ أو لأنه لم يشأ أن ينشر شيئا في هذا الباب، أو لأن كاتبها طالب غابت عنه كل الظروف المتعلقة بالموضوع فتعرض لما يجهله - على كل حال لم تنشر المقالة، وكانت هذه صدمة قوية في نفسي لم أحاول بعدها أن أكتب في الجرائد والمجلات، وأعتقد أنها لو نشرت لغيرت تاريخ حياتي الأدبية.
وكانت المرحلة الثانية في تاريخ حياتي الأدبية اتصالي بالأدب الإنجليزي، وكان سببه أني رأيت كثيرا ممن أجلهم من أساتذتي في مدرسة القضاء يعتمدون في تحضير دروسهم على اللغة الأجنبية، ويعرضون علينا معلومات خلابة لا نراها في الكتب العربية. فالمرحوم عاطف بك يدرس لنا الأخلاق من كتاب «مكنزي» ورسالة المنفعة لجون ستورت مل، والمرحوم علي بك فوزي يدرس لنا التاريخ ويعتمد في مصادره على الكتب الإنجليزية - وكان معنا طالب يعرف قليلا من اللغة الإنجليزية، فكان يقرأ في كتاب إنجليزي نظريات الهندسة قبل أن يلقيها الأستاذ، ويدعي تفوقه علينا ويدل بذلك. كل هذا شوقني إلى دراسة اللغة، ولكن لم أتمكن من البدء أيام الدراسة؛ لأن المدرسة كانت شاقة متعبة تستغرق دراستها كل أوقاتنا.
وأخيرا بعد أن تخرجت اتفقت مع صديقي المرحوم أحمد بك أمين المستشار في محكمة النقض على أن نعمل رحلة إلى مساجد القاهرة وبيوتها الأثرية، وكان إذ ذاك مدرسا بمدرسة القضاء، واتفقنا على أن نتلاقى في الصباح نقرأ ما كتبه علي باشا مبارك عن حي من الأحياء، وما فيه من مساجد وآثار، ونلتقي بعد العصر لنحقق ما قرأنا، وقضينا في هذا العمل ثلاثة أشهر الصيف، ففي يوم كنا نزور بيتا أثريا في «حوش قدم» وقد قصر في وصفه علي باشا مبارك، واستعان أحمد أمين بك على إكمال وصفه بكتاب ألماني مترجم إلى الإنجليزية وهو كتاب «بدكر»، فما كان مني إلا أن طلبت منه أن يدلني على خير طريق لتعلم الإنجليزية، فأشار علي بمدرسة «برليتز» فوافقته. وقبل أن نرجع إلى بيوتنا من هذه الجولة عرجنا على مدرسة «برليتز» في شارع عماد الدين، واتفقنا على عدد الدروس، ودفعت أجرة الشهر، وبذلت مجهودا شاقا في تعلمها، واستمررت على ذلك نحو سنتين، ثم رأيت أن المدرسة لم تعد بعد كافية في تعليمي.
فدلني صديق لي على مدرسة إنجليزية في ميدان الأزهار اسمها «مس بور»، رأيت هذه السيدة ذات شخصية عجيبة، فهي قوية حازمة راقية مثقفة ثقافة عالمية، تجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وأقامت في لندن وباريس وبرلين وأمريكا أزمانا طويلة، وعرفت أحوال هذه البلاد الاجتماعية عن قرب، وتقرأ أمهات الكتب وتنشر في التيمس مقالات جيدة، وهي بعد ذلك فنانة تجيد الرسم والتصوير، وتعلم ذلك لبعض أولاد الأسر المصرية الراقية كأولاد المرحوم عبد الخالق باشا ثروت.
وكانت تعيش عيشة فخمة من كسب يدها في مصر، فقد استأجرت بيتا خاليا في ميدان الأزهار وفرشته وأجرته غرفا، فكان يأتيها من ذلك ربح نحو الثلاثين جنيها، ثم ترسم صورا زيتية وتبيعها وتدرس لبعض أفراد قلائل وتكاتب التيمس بأجر، فكان لها من ذلك دخل واف لا تدخر منه شيئا، وإنما تعيش عن سعة، وتتصدق بالباقي عن سعة.
عطفت علي هذه السيدة عطفا شديدا، لا عطف معلمة أجنبية لشاب أجنبي، ولكن عطف أم على ولدها. لمست مني جوانب ضعف منشؤها تربيتي الخاصة، رأت شابا في لباس شيخ منكمشا خاملا، فكانت تقول لي: «تذكر دائما أنك شاب» تكررها علي مرارا كلما رأت مناسبة.