تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت هذه العاطفة الحزينة القوية تبدو عندي في أشكال مختلفة، ومظاهر متعددة، فمن صغري كان يشجيني الغناء الحزين؛ فقد أسمع بائعا يغني على سلعته بنغمة محزنة، فأنقلب حزينا مهما كانت بواعث السرور حولي - ولا زلت أذكر وأنا في سن الثامنة أو التاسعة أني سمعت مداحا يتغنى بقصائد وأناشيد على الدف في نغمة محزنة، وكان ذلك بعد العشاء، فتبعته مضطرا ناسيا نفسي من حارة إلى حارة حتى انقطع الرجل وانصرف، ورجعت إلى بيتي متأخرا متقبلا التأنيب والتهديد عن رضا وسرور.

وربما عددت من مظاهر هذه العاطفة الحادة في هذه السن التدين الحاد، من انهماك في الصلوات والأدعية والتهجد ونحو ذلك. •••

غذى هذه العاطفة من بعض نواحيها أبي - رحمة الله عليه -، فقد كان مغرما بحب المناظر الطبيعية وخاصة نهر النيل والأشجار والمزارع.

حرم أبي الريف، ولكن طبيعته كانت تحن إليه، فكان يخلق لنفسه ريفا، يخرج كل يوم خميس إلى المزارع في ضواحي القاهرة ويأخذني معه لنجلس تحت شجرة بين النيل والغيط، فنمضي فيه طول نهارنا، وكان هذا المنظر يسحر أبي دينيا فيقرأ القرآن ويبتهل ويصلي، ويدخل قلبي من ذلك كله شعور بجمال الطبيعة وعظمتها ممزوج بالدين ورهبته.

وأحيانا ينزل على بعض أصدقائه في الريف، فيمضي وأمضي معه أكثر الوقت في المزارع متأملا مبتهجا مبتهلا. •••

هذه ناحية. وهناك ناحية أخرى غذاها أبي - رحمة الله عليه- ، فقد كان من علماء الأزهر، وكان نادرا بين العلماء في حبه للأدب واقتنائه ما استطاع من كتبه، فكان في مكتبته أهم الكتب الأدبية واللغوية والتاريخية بجانب الكتب الأزهرية، وتكاد كل حجرة في بيتنا يكون فيها دولاب من كتب، وأحيانا دولاب قد صنع داخل الحائط، ثم يكثر المطالعة في هذه الكتب ويشركني معه بما أستطيع.

كانت هاتان الناحيتان نعمة علي من ناحية الأدب. فلما أخذ يعلمني كان يحفظني متون الأزهر كمتن الكنز في الفقه، والألفية في النحو، والتلخيص في البلاغة ... إلخ. ولكن بجانب ذلك أقرأني «فقه اللغة» مرتين، أحفظني بضع مقامات من مقامات الحريري، وبعض رسائل بديع الزمان الهمذاني، وقطعا من نهج البلاغة، فتأثرت بأسلوب هؤلاء كثيرا، فكنت أميل إلى السجع المتكلف، وكان هو يقرض الشعر أحيانا، وحاول أن يقرضنيه ففشل، فتركني، ورأيت مكتبة أبي عامرة بجانبي، فأخذت أقلب الكتب أتصفحها وتعشقت منها - على ما أذكر - كتاب «فاكهة الخلفاء»، وهو كتاب على نمط «كليلة ودمنة» مسجوع، وكتاب «سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون»، وكتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وبعض كتب التاريخ كالجبرتي وبدائع الزهور.

ولكنه لم يعودني الكتابة إلا في مناسبات قليلة.

حتى دخلت مدرسة القضاء، فكان من أهم ما نعنى به الكتابة، وأكبر شخصية أثرت في من هذه الناحية المرحوم عاطف باشا بركات ناظر المدرسة، لم يكن - رحمه الله - كاتبا ولا أديبا، ولكن كان فيه ميزات ثلاث تفيد الأدب، كان دقيقا بالغا في الدقة، فكان لا يرضى عن كتابة إلا أن يعبر صاحبها تعبيرا دقيقا، ويؤاخذ على كل صغيرة وكبيرة فيها، فإذا كان اللفظ أوسع من المعنى أو أضيق منه لم يعجبه وآخذ عليه، والميزة الثانية أنه كان يقدر المعنى أكثر مما يقدر اللفظ، فكان لا تعجبه العبارات الجوفاء ولا الاستعارات المتكلفة، وكثيرا ما اختلف مع أساتذة الأدب في هذا الشأن، فكان يقدر الدرجة بصفر على موضوع قدروا له درجة عالية، والعكس؛ لاختلاف جهة التقدير، والميزة الثالثة إعجابه الذي لا حد له بالمجيد في نظره، واشمئزازه الذي لا حد له من المسيء في نظره، فأعلن الإعجاب بطائفة وشجعهم على الكتابة. واذكر أن من حسن حظي مرة أن طلب إلى فرقتنا الكتابة في موضوع «أثر القرآن في العلوم العربية»، فكتبت موضوعي ولم يرق كثيرا أستاذ الأدب، ولكنه وقع في يد عاطف بك فسر منه، واقترح إعطائي نهاية الدرجة وناداني وأعلن سروره منه، وظل كلما أتت طائفة من العظماء لزيارة المدرسة كقاسم أمين وسعد زغلول والشيخ عبد الكريم سلمان طلب الورقة، وقرأها عليهم وحملهم على الإعجاب بها، ومن ذلك اليوم اعتقدت استعدادي للأدب، وكان ذلك في السنة الأولى من المدرسة. ومن ذلك الحين ظل أستاذ الأدب يغمرني بتشجيعه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٧١