ومن الأسباب في هذا الضعف أن البرنامج الموضوع للأديب في تصورنا وعملنا برنامج ناقص؛ فبرنامج الأديب يجب أن يحوي دراسات في النفس والاجتماع واسعة، ودراسات لأدب أوربي واسع، ودراسات لأدب عربي واسع، ودراسات لحياتنا الشعبية الواقعية واسعة، وقل منا من ظفر بهذا البرنامج وأخذ به نفسه؛ لذلك جاء أكثر الإنتاج ناقصا من الناحية الفنية وناقصا من ناحية التحليل، وناقصا من ناحية عدم الإلمام إلماما كافيا بالموضوع الذي يتحدث فيه.
وسبب ثالث: وهو ضعف النقد الأدبي في مصر، وأنه ليس خاضعا لقواعد وأصول وتقدير صحيح بقدر ما هو خاضع للهوى.
وأيا ما كان، فلسنا يائسين ولا ناكرين لفضل الأدباء الحديثين، فنحن إذا نظرنا إلى حالتنا الأدبية من سنين وحالتنا اليوم اغتبطنا، فقد وجدت المقالة الراقية والقصة الراقية والكتب الطيبة في أكثر نواحي الأدب، وكل رجائنا أن يتتابع الجهد في الإنتاج، والجهد في القراءة والتحصيل، وتنظيم وسائل الإنتاج، وتنظيم وسائل القراءة.
وما قلناه عن الأدب المصري الحديث ينطبق كل الانطباق على الأدب العربي الحديث في الشرق كله.
| ما الذي ألهمني الأدب؟
سؤال سئلته فكان الجواب عنه عسيرا؛ لأنه يحتاج إلى تحليل الإنسان نفسه، وعندي أن النفس كالعين ترى غيرها ولا ترى نفسها، وتستطيع أن ترى الأشياء الخارجية مباشرة، ولكن إذا أحبت أن ترى نفسها فلا بد من الاستعانة بغيرها كالمرآة، وكل ما في الأمر من فرق أن العين لا تنخدع فلا تزعم القدرة على رؤية نفسها مباشرة، والنفس تنخدع فتزعم أنها ترى نفسها وتقدرها وتزنها، وآية ذلك الانخداع أن الثقيل لا يدرك ثقل نفسه، بل ويحكم بخفتها وظرفها، والكذوب الخداع المرائي لا يشعر من نفسه بذلك، بل يرى أنه المخلص الصادق الأمين، وأغلب الناس يرى أنه الأحق بكل خير وكل نعيم وكل مسرات الحياة، ولذلك كانت معرفة الإنسان نفسه درجة ممتازة لم يرق إليها إلا الفلاسفة وأمثالهم، على شك مني في مقدرتهم.
وسبب ذلك على ما أرى أن طبيعة هذا الكون أن الشيء لا يدرك تمام الإدراك إلا عن بعد مناسب، فإذا زاد القرب منع صحة الإدراك، فالبناء الضخم لا تعرف قيمته ولا تحسن إدراك أجزائه ومجموعه إلا عن بعد مناسب، فإذا التصقت به لم تدركه، والعين قربت جدا من نفسها فلم تدرك نفسها، والنفس قربت جدا من نفسها فلم تدرك أيضا نفسها.
بل أرى أن النفس وقعت في سلسلة أخرى من الأغلاط لهذا السبب، فزعمت أنها تعرف نفسها، ثم لم تقف عند هذا الحد فجعلت إدراكها لنفسها مقياسا لإدراكها غيرها، فحكمت على أخلاق الناس ومعاملاتهم وتصرفاتهم متخذة إدراك النفس أساسا، وإذا كان الأساس واهيا فما بني عليه واه من غير شك.
ولكن كلام الإنسان عن نفسه مقبول ومستساغ إذا لم يتحدث عن طبيعة نفسه، واكتفى بذكر جزيئات وحوادث عرضت له، وذكر ما يشعر به نحوها من نفسه؛ إذ ذاك يتحدث عن أشياء هو أعرف الناس بها، وهي في الواقع أشياء خارجية لا داخلية، وهذه الأمور التي يذكرها تضيء للناس نفسه، ثم يتركهم يحكمون لها أو عليها، لا أن يتولى هو الحكم على نفسه ويشرحها.
في هذه الدائرة أستطيع إن أجيب بعض الإجابة عن هذا السؤال:
أعتقد أن من أهم ما كونني في الأدب أنني من صباي قد منحت عاطفة حادة، وهذه العاطفة أهم ركن من أركان الفن، فلا يتسنى لفنان مطلقا أن يكون فنانا حقا إلا إذا منح هذه العاطفة، وهي هبة إلهية من العسير الإجابة عن منشئها، ولم منحها هذا الشخص قوية وهذا ضعيفة، فإن نحن أرجعناها إلى الوراثة لم نحل هذا الإشكال؛ لأن قوانين الوراثة ليست أقل تعقيدا من قانون القدر. وكانت هذه العاطفة عندي حادة من ناحية الحزن لا من ناحية السرور، فأقل المحزنات يؤثر في أثرا كبيرا، وأكبر المفرحات لا يؤثر في أثرا بالغا، وهذه العاطفة على هذا الوضع صعب تعليلها، فلم أصب في صغري بموت عزيز علي ولم أفارق أهلي، وكنت في عيشة من عيشة الأوساط، لا يعوزنا الضروري من العيش، ولا ما نترفه به بعض الشيء، وكل ما يصح أن أعلل به هذا الحزن أن حياتنا البيتية كانت حياة جادة لا لهو فيها ولا لعب، وكانت حياة الطفولة عندي حياة متزمتة فيها كثير من الشدة، وقليل من اللين.