فكان من نتيجة الاطلاع على الأدب الغربي وتعرف منزلة القصة أن قلدهم كتابنا فبدءوا - أولا - يترجمون، ثم أخذوا يؤلفون ويجعلون الحياة المصرية موضوعا لرواياتهم، وأنشئت بعض المجلات التي تقتصر على مثل هذا النوع من الأدب، ووجد الكتاب الذين يتخصصون لذلك.
وكذلك كان الشأن في التمثيل والروايات التمثيلية، فقد سارت في نفس هذا الطريق؛ فوجدت الروايات التمثيلية المترجمة والمقتبسة والمؤلفة، ووجد المسرح لعرض هذا النوع من القصص، ولا يزال هذا الامتزاج يعمل عمله ويسير في قوة حتى يبلغ الأدب العربي مبلغه اللائق به.
ويحق لنا بعد ذلك أن نتساءل: هل أدى الأدب العربي في مصر رسالته؟
إنما يؤدي الأدب رسالته في الأمة يوم يكون صوت حياتها ووصف ما فيها من أمل وألم، وغذاءها الروحي الذي يهبها العزاء والأمل، عقلائها وأذكيائها معروضة عرضا جميلا.
ليس الأدب هو الألفاظ الضخمة لا شيء وراءها، وليس أدبنا هو الأدب الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي، إلا أن تكون هذه وسائل فقط لإنتاج أدبنا الذي يمثل مشاعرنا، ليس أدبنا مدحا نتوسل إليه بامتطاء الإبل ونفتتحه بالغزل والنسيب، ونبكي فيه على أطلال الدمن والنؤى والأحجار، فهذا كله وأمثاله يصلح أن يكون دراسة علمية للأدب وليس هو الأدب، وليس الأدب وسيلة من وسائل اللهو والمجون كعادة قوم من الشعراء رأوا أن الشعر ليس إلا التغني بالخمر ونحوها، وليست صياغته إلا نوعا من العبث في البديع وأشكاله.
فهذا ليس هو الأدب الذي نقصده في عصرنا، ولا هو بالغذاء الذي ننشده. إنما نريد من الأدب وصف حياتنا الواقعية بآمالها وآلامها، كما يتصورها ذوو العقول والمشاعر منا معروضة عرضا جميلا جذابا.
نريد أدبا يتمثل في قصص لطيف يناسب الأطفال، وأدبا أرقى من ذلك يناسب الشعب يشرح له نواحي ضعفه ونواحي قوته، ويمثل له أسرته وحكومته وبؤسه وغناه، ويحبب إليه جمال الطبيعة في بلده، ويوضح له ما يعترض عصره من مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية في أسلوب يناسب عقليته.
نريد أدبا يتغنى به الأطفال ويتغنى به الشعب إذا أراد الغناء، وينشده إن أراد أناشيد.
نريد أدبا مصريا في السينما وفي التمثيل، يعرض للحياة المصرية ويصفها ويحللها.
نريد أدبا في مكتبة عربية مصرية ضخمة كالسماط الممدود، فيه كل صنف حسبما يشتهي الآكل وحسب مقدرته على الهضم.
هذا هو ما نتصوره في الأدب، ويوم يكون ويساير هذه الرغبات كلها يقال حينئذ: إن الأدب المصري قد أدى رسالته.
أما وهو كما نراه اليوم فلا يزال في مفتتح الطريق، فلا الطفل يجد ما يغذيه، ولا الشعب يجد ما يصح أن يقرأه، ولا المغني يجد شيئا صالحا يغنيه، ولا الممثل يجد ما يصح أن يمثله، لا شيء من ذلك إلا أشياء في مستهل الحياة تصلح لمجة ولكن لا تصلح للإشباع.
فإن سئلنا عن العوائق التي تعوق السير السريع في هذا السبيل وجدناها في أمور، أهمها:
أن أدبنا إلى الآن أدب أرستقراطي، وأعني بأرستقراطيته أنه يكتب ويؤلف للطبقة المتعلمة وحدها، وهم عدد قليل بالنسبة للأمة، أما أكثر الشعب فلا يقرأ ولا يكتب، إن كان يقرأ ويكتب ففرق كبير بين لغته في البيت والشارع وحياته العامة وحياته الأدبية، فوجود لغتين للأمة: لغة أرستقراطية ولغة شعبية - إلى هذا الحد الذي نراه - يؤثر في الحياة الأدبية كثيرا، ويظهر ذلك من جهة أن القراء قليلون، وهذا لا يشجع على التأليف، ومن جهة أن الأديب لا يستطيع أن ينزل إلى الشعب ليفهمه؛ لأن هذا يضيع وقاره، ومن جهة أن الأديب لا يجد الألفاظ والتعابير التي تملأ أسلوبه حياة؛ لأن الكلمات والأساليب التي تستعمل في الحياة الواقعية تكتسب الحياة أكثر من الكلمات والأساليب التي يقتصر وجودها على الكتب.
ولست الآن بصدد بحث هذا المشكل وإيجاد الحلول له، فإنما أنا عارض فقط.