تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحيرتنا في الشعر كحيرتنا في الموسيقى. فالمثقفون لا ترضيهم الموسيقى القديمة؛ لأن آذانهم الموسيقية ارتقت، ولا ترضيهم الموسيقى الأوربية؛ لأنها لا توافق ذوقهم وقوميتهم، والعالم العربي الآن ينتظر نبيا جديدا في الشعر ونبيا جديدا في الموسيقى، ونجاح هذا النبي يتوقف على مقدار ما يحسن من المزج بين العنصرين، بقدرته على أن يقتبس من الجديد ما يناسب ومن القديم ما يناسب، ثم يكون في نفسه من الحرارة ما يستطيع بها أن ينضج الصنفين، ويكون منهما صنفا واحدا سائغا للسامعين والقارئين.

وهذا السبب الذي دعا إلى تأخر الشعر هو بعينه الذي دعا إلى نجاح النثر، وخاصة في بعض نواحيه كالمقالة؛ فالكتاب استطاعوا أن يتحرروا من كثير من قيود الماضي كالإغراق في المحسنات اللفظية والسجع ونحو ذلك، واقتبسوا من الغربيين محاسنهم كالتحليل الدقيق والبساطة في التعبير، وتمشوا في تعبيرهم وموضوعاتهم مع رقي عقلية المثقفين فنجحوا حيث لم ينجح الشاعر. أما الشعر فلم يتحرر تحرر النثر، فبحوره هي البحور القديمة مع أن البحور ليست إلا النغمات الموسيقية، وشعر حافظ وشوقي في المديح أضاعت قيمته الديمقراطية، وشعر حافظ في السياسة قد انتهي زمنه، والذين يجددون يأتون بصور غربية يزعمون أنها شرقية، ويأتون بصيغ غربية لا تستسيغها الأذواق العربية.

إن النثر جرى طلقا وتحرر من كثير من قيوده واستفاد الأدب الغربي أكثر مما استفاد الشعر، سواء في ذلك موضوعاته وأساليبه، ولم يبق ممن التزم النهج القديم إلا عدد قليل من الكتاب يعجب الناظر بكتابتهم نفس الإعجاب الذي يشعر به زائر دار الآثار.

على أن النثر الجديد لم يكن كله وليد الحركة الأجنبية، بل كان وليد الحركتين معا؛ فأساليب قادة الكتاب نتاج مطالعات في كتب الأقدمين ومطالعات في كتب الغربيين، ولكنهم نجحوا في التخير ومقدار التحرر. قرءوا ابن المقفع والأغاني وأمثالها وانطبعت في أذهانهم صور للأساليب الرائعة، ثم قرءوا الأدب الغربي فتشبعوا بموضوعاته وأساليبه أيضا ، واشتقوا منهما نمطا جديدا لا شرقيا خالصا ولا غربيا خالصا، بل هو شرقي غربي معا، وهذا هو السر في نجاحه

رأوا في النثر القديم جزالة في الأسلوب فاقتبسوا منها، ولكنهم رأوا فيه إيجازا قد يدعو في كثير من الأحيان إلى الغموض فأعرضوا عنه ومالوا إلى الوضوح، وكان أكثر قادة الكتاب في مصر صحفيين، فمالوا إلى الأطناب حتى يسدوا فراغ الصحف، ورأوا كثيرا من موضوعات الأدب القديم لا تناسب حياتنا الواقعية فقلوا الفرنجة فيما يكتبون من موضوعات، وحملتهم الظروف السياسية على أن يطيلوا في السياسة والحرية وحقوق الأفراد وحقوق الأمم، فكان من ذلك كله مران حسن لأقلامهم لم يتوافر للشعراء، ومران حسن لألسنتهم فنمت ناحية الخطابة.

وتنبه المصلحون إلى نواحي الضعف في الحياة المصرية والاجتماعية، فأخذوا يعالجونه بالمقالات ينشرونها في الصحف والمجلات وفي كتب خاصة، هذا يعالج شؤون المرأة، وهذا يعالج البؤس والشقاء، وهذا يعالج القيود التي كبلت بها الحرية، فأثر هذا كله أثرا صالحا في أن يكون للأدب الحديث موضوع بعد أن كان في العصور الوسطى جملة ألفاظ جوفاء.

وكان من أوضح آثار الحركة الأجنبية في الأدب المصري لحديث القصص والتمثيل؛ فلأدب الأوربي الحديث عماده القصص، وكان هذا القصص ضعيفا في اللغة العربية في مصر، ترفع عنه الأدب الأرستقراطي، ونعم به الأدب الشعبي، فقد كان الشعب ينعم بقصة أبي زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن والظاهر بيبرس وألف ليلة وليلة، كما تنعم البيوت بحواديت العجائز ونحو ذلك. أما الأدب الأرستقراطي فكان يترفع عن ذلك ويتوقر، ويعدها هي والنكت من سقط المتاع لا يصح للسادة الأفاضل أن يقرءوها أو يؤلفوا فيها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٦٨