بل نحن في مدارسنا المصرية ننشئ الطلبة على مزيج من الثقافتين؛ فنعلم الجغرافيا والطبيعة والكيمياء والجبر والهندسة كما يتعلمها تماما الطالب الأوربي، ولا ننظر في الكيمياء إلى جابر بن حيان، ولا في الجغرافيا إلى معجم ياقوت، ولا في الطبيعة والرياضة إلى ابن الهيثم. ونعلم النحو والصرف كما خلفهما سيبويه، لا نختلف في شيء إلا في أسلوب التبسيط وضرب المثل.
وهاتان الحركتان، الحركة الأوربية والحركة العربية، وامتزاجهما على أشكال من المزج هو الذي يلقي الضوء على نتاجنا الأدبي على اختلاف أنواعه. فلنعرض لشيء من التفصيل والتمثيل. خذ لذلك مثلا أدبنا السياسي كشعر حافظ ، وخطب سعد ، ومقالات الصحف في الحركة الوطنية ... إلخ. فهي عربية قومية في لغتها ونزعتها؛ وهي غربية لأنها تحذو حذو الأجنبي في كيفية معالجة الموضوعات في الصحف وعلى ألسنة الخطباء ... إلخ. فذلك كله نتيجة المزاجين، نتيجة أن السياسة الأجنبية أرادت أن تطغى علينا وتفقدنا قوميتنا فتنبهت مشاعرنا، وهذا هو العنصر المصري. ولكن بجانب ذلك كان منا من تعلم من الأجنبي كيف يدافع عن بلاده، وكيف يكتب دفاعا عن الحرية، وكيف تعالج صحفهم ذلك، وكيف يعالجه خطباؤهم، فاستفدنا منهم، وهذا هو العنصر الأجنبي.
امتزج هذان العنصران فكان لنا أدب سياسي يتفق وموقعنا ويتفق وحياتنا، وما كان يكون ذلك لو لم يمتزج العنصران، ولعل محمد عبده وسعد زغلول خير من يمثل هذه الفكرة، وفيهما اجتمع العنصران وتآلفا.
ولننظر مثلا إلى الشعر الحديث ما شأنه؛ لقد كان قبيل البارودي منحطا منحلا، كان أغلبه نظما لا شعرا، يستعملونه في التهاني والتعازي وما شاكل ذلك في أسلوب منحط أو في الخلاعة والمجون في ألفاظ بذيئة.
فجاء البارودي وجدده، ولكن يخيل إلي أن تجديده لم يكن من نوع التجديد الذي نفهمه الآن من تطعيم الأدب العربي بالأدب الأجنبي، إنما كان تجديده من ناحية الرجوع بالشعر العربي لا إلى العصر القريب المنحط بل إلى العصر البعيد الراقي؛ فترسم آثار أبي نواس وأبي فراس والمتنبي والشريف الرضي من حيث الأغراض والمعاني وفحولة اللفظ. فلما جاء حافظ وشوقي وأضرابهما كان تجديدهم أوضح، ولكنهم مع هذا حظهم من القديم أكثر من حظهم من الجديد، فلما انتقلوا إلى جوار ربهم وقف الشعر ولم يتقدم كثيرا.
فما السبب في هذا؟
لقد قيل: إن الزمن ليس زمن شعر، وإن الشعر قد انحط في كل العالم لا في مصر وحدها؛ لأن الشعر وليد الخيال، وهذا العصر مادي لا خيالي، يريد أن يمس الواقع لا أن يحلق في الجو. وقيل: إن الأمم ارتقت فلم يعد الشعر صالحا لها؛ لأن الشعر كأحلام الطفولة وهو - عادة - يسبق الفلسفة والنثر الفني؛ فإذا اكتملت الأمة في عقلها خلفت الشعر وراءها، وفتحت عينها للعلم والفلسفة، والعالم الآن جاز دور الطفولة، فما حاجته إلى الشعر؟! وقيل غير ذلك من أسباب.
ولكني أرى أن أصح سبب في تأخر الشعر في مصر والعالم العربي هو ما أسلفنا من نظرية امتزاج الثقافتين.
ولتتميم هذه النظرية أرى أن الشيء الذي يكتب له النجاح هو ما بلغ قدرا صالحا من المزاجين يتفق وذوق الأمة.
وقد يكون هناك سبب آخر في نظري لضعف الشعر، وهو أن الشعر كمالي، والنثر ضروري؛ فحاجتنا إلى النثر كحاجتنا إلى الغذاء، إن لم يوجد الجيد كان لا بد لنا من الوسط أو أقل منه، أما حاجتنا إلى الشعر فكحاجتنا إلى طاقة الزهر على المائدة، إن لم تكن جميلة فمن الخير أن نستغنى عنها؛ لهذا قبلنا النثر الوسط فارتقى ولم نقبل الشعر الوسط فضعف.
فالشعر القديم كان مناسبا للذوق القديم، فلما تطور ذوق الأمة رأى أمامه شيئين مختلفين تمام الاختلاف وكلاهما غير صالح، وبتعبير أدق غير مناسب للذوق الجيل الحاضر. فأما أحد الشعرين فشعر على النمط القديم في أوزانه وقوافيه وأغراضه ومعانيه، وهذا لم يعد صالحا؛ لأن ذوق الأمة اجتاز هذا الطور. وشعر أمعن في تقليد الشعر الأفرنجي في معانيه وأسلوبه وصوره وأخيلته، فجاء نابيا عن الذوق الشرقي ولم تعجبه صياغته ولا ألف تعبيراته؛ كالشاطئ المجهول ومقابر الغجر ونحو ذلك.