تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ذلك إنشاء المجلات الشرقية كالمجلة الآسيوية ونحوها، وكان لهذا كله صدى كبير في الشرق عامة ومصر خاصة.

هذا - في إجمال تام - ملخص أثر الحركة الأوربية في مصر.

يقابل هذه الحركة حركة أخرى مصرية نشأت من الأزهر ودار العلوم؛ فهؤلاء نشروا تعليم اللغة العربية وآدابها في المدارس ، وقاموا بنشر الثقافة العربية بجانب الإنجليزية والفرنسية وغيرهما. ولكن هل نجحوا في عملهم؟ مما لا شك فيه أنهم نجحوا إلى حد ما؛ والذين ينشدون الكمال يرون نجاحهم كان محدودا؛ لأن أكثر تخرج على أيديهم لم يتذوقوا الأدب العربي كما ينبغي، ولم ينتجوا نتاجا عربيا كما ينبغي، فطلبة المدارس الذين يأخذون بالحظين معا من اللغة الأوربية واللغة العربية سرعان ما يميلون إلى اللغة الأجنبية، ويعكفون على دراسة أدبها، وقل من يعكف منهم على اللغة العربية وآدابها بعد تخرجه - قد تقول: إن السبب في هذا وفرة النتاج الأوربي وضعف المكتبة العربية، ولكنهم أيضا هم المسئولون عن هذا النقص، فقد مضت عليهم السنون الطويلة التي كانت تمكنهم من سد هذا النقص، وإيجاد الكتب التي تغذي الشعب في مراحله المختلفة، ولم يقوموا بهذه الرسالة على وجهها.

هذا إلى ما نراه من ضعف واضح في متخرجي المدارس المصرية في اللغة العربية من ناحية تعبيرهم، ومن ناحية أدائهم للمعاني التي في نفوسهم.

وكان من أثر هذه الحركة أيضا، حركة التأليف في الموضوعات القديمة، ونشر الكتب القديمة كما يفعل المستشرقون، بل قد زادوا عليهم، فمما نلاحظ ضعف حركة الاستشراق الأوربي وقلة ما تنشره، وكثرة ما ينشر في العالم العربي وخاصة مصر، وهو من ناحية الكمية يدعو إلى الإعجاب، ومن ناحية الكيفية يدعو إلى الأمل في المستقبل في الضبط والدقة.

ولا تزال الحركة الأدبية العربية القديمة تعمل عملها؛ فالكتب القديمة تقرأ في الأزهر ودار العلوم والجامعة؛ فتقرأ كتب النحو والصرف والأدب ودواوين الشعر ونحو ذلك فتغذي هذه الحركة وتنميها.

وهاتان الحركتان تتقاربان وتمتزجان وتؤثر كل منهما في الأخرى أثرا كبيرا أحيانا وضعيفا أحيانا، ويكاد يكون هذا الامتزاج ظاهرا في كل تعليم وكل نتاج أدبي؛ فالذين تثقفوا ثقافة أجنبية واسعة عميقة إذ أنتجوا نتاجا عربيا استخدموا العربية وهو عنصر عربي، وكثيرا ما كتبوا في موضوعات عربية أو مصرية حتى يكون لنتاجهم قيمة ذاتية، وتأثروا بالآداب الأجنبية في طريقة العرض وطريقة الفن. وكبار الأدباء متأثرون من غير شك بالثقافة الأجنبية في طريقة التحليل والعرض، ومتأثرون بالثقافة العربية في اللغة والأسلوب وموضوع الكتاب.

وغاية الأمر أن مقدار حظ الأدباء من الثقافتين يختلف؛ فمنهم من غلبت عليه النزعة الأجنبية حتى لا يكاد يبين بالعربية، ومنهم من غلبت عليه النزعة العربية، حتى ليكاد يكون نتاجه يحاكي بديع الزمان الهمذاني أو الجاحظ أو نحوهما من ذوي الأسلوب القديم. ولكل من الثقافتين الأجنبية والعربية مزاج خاص؛ فمزاج الثقافة الأجنبية حر أمام الدين وأمام المشاكل الاجتماعية والسياسية، وطبيعتها وثابة تعنى أكثر ما تعنى بالحياة الواقعية، وتجاري الزمن وتنظر للمستقبل. ومزاج الثقافة العربية القديمة المحافظة في الدين وفي الاجتماع وفي السياسة، وطبيعتها هادئة تعنى بالماضي أكثر من عنايتها بالمستقبل، وتعظم الماضي أكثر مما تعظم الحاضر. فخير أسلوب عندها أسلوب الجاحظ أو البديع، وخير كاتب من حافظ على التقاليد القديمة وهكذا.

وهذا هو ما يفسر لنا الصراع بين حركة الأزهر والجامعة - مثلا - والصراع بين المثقفين ثقافة شرقية بحتة والمثقفين ثقافة غربية بحتة، والصراع بين شيوخ الأدب والعلم وشبان الأدب والعلم.

ولكن مهما كانت طبيعة المزاجين مختلفة، فالزمان يعمل عمله في التقريب بينهما، وهو يعمل فيهما ما يعمله إذا صببت ماء حارا باردا، فالنتيجة مزاج من الحرارة والبرودة. فالمثقف ثقافة أجنبية يرى نفسه مضطرا - إلى حد ما - أن يجاري القديم حتى يفهم وحتى يقبل وحتى ينجح. والمثقف ثقافة عربية بحتة يقرأ الجرائد والكتب المترجمة والكتب المؤلفة على النمط الحديث فيتأثر بها، والأزهر نفسه رأى أن يجاري الجديد - إلى حد ما - فعمل مدارس ثانوية تشبه بعض الشبه المدارس الثانوية المدنية، واستعان برجال دار العلوم لأن فيهم جدة وبعث البعوث إلى أوربا لينقلوا إليه بعض جديد أوربا، وهكذا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٦٦