تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفمن العدل أن يكون النظام الذي وضع لظرف خاص، باقيا مع زوال سببه؟ أو من الحق أن يظل الاستبعاد عن طريق المال في عهد الاستقلال؟

لو كان هذا النظام القائم المركز البطيء يحفظ على الدولة كل مليم، والنظام الموزع السريع يضيع على الدولة مليون جنيه أو مليونين لفضلت النظام الثاني لأنه أنفع للبلد، فسير وسائل الإصلاح، والسرعة في انجاز الأعمال، ووضع الثقة في الموظفين، وقضاء الناس مصالحهم في يسر وسهولة يساوي أكثر من مليونين!

أفلسنا في حاجة إلى علي مبارك آخر يحرق لنا اللوائح؟

| في الأدب المصري الحديث

إن الناظر للأدب المصري الحديث (بالمعنى الواسع لكلمة الأدب) يرى أنه قد نبع من نبعين مختلفين كل الاختلاف، وتأثر بهما أشد الأثر، وأن الآثار الأدبية قد تصدر من هذا النبع أكثر من ذاك، وقد يكون العكس. هذان النبعان أو المصدران هما الثقافة الأجنبية، والثقافة العربية القديمة؛ فالنبع الأجنبي ظهر في مظاهر عدة، ظهر عندما اتجهت أوربا إلى استعمار الشرق سياسيا واقتصاديا، فاحتلال الفرنسيين ثم الإنجليز لمصر نقل أوربا إلينا وقدم لنا لونين من الحضارة؛ الفرنسية والإنجليزية؛ وموقع مصر هيأ لها أن تكون مباءة لطوائف الأمم الأخرى تمدنا ببقية الألوان من الحضارة، من أمريكية وألمانية وإيطالية إلى غير ذلك، نعم إن هذا الاستعمار وهذه الطوائف كلها كان غرضها الأساسي غرضا سياسيا واقتصاديا، ولكنها مع ذلك حملت معها علما وأدبا عملت على نشرهما عن قصد وعن غير قصد - فقد رأى بعضهم أن مما يخدم السياسة أن تنشر ثقافتها، فتكسب بذلك عطف أهلها؛ فرأى الفرنسيون - مثلا - أن نشر ثقافتهم في مصر يستتبع وجود طائفة مصرية تتثقف بثقافتها، وتتذوق ذوقها وتقرأ كتبها وتعصب لعاداتها وتقاليدها وهكذا. ومثل ذلك الأمم الأخرى. ثم فرضت اللغة الإنجليزية والفرنسية في المدارس على اختلاف أنواعها.

وكان من أثر هذا وجود طائفة كبيرة حذقت اللغات الأجنبية واطلعت على آدابها وتذوقته؛ فلما أخرجت إلينا أدبا عربيا كان أدبا فيه الأثران، الأثر العربي والأثر الأجنبي، وكما انتقلت أوربا إلينا على الشكل الذي رأينا، انتقلت طائفة أخرى منا إلى أوربا عن طريق البعوث ونحوها، وهؤلاء كانت ثقافتهم الأوربية أوسع وأعمق.

وأكثر المنتجين في الأدب عندنا هم من الطراز الذين تذوقوا الأدبين وتثقفوا الثقافتين، ومن لم يذق هذه الثقافة الأجنبية بأي شكل من أشكالها كان أكثر إنتاجه ضعيفا، أو على الأقل كان إنتاجا لفظيا أو شكليا أو غير مستساغ عند الجيل الحديث.

وكان من أثر انتشار الثقافة الأجنبية الصحافة العربية، وهي التي قطرت الثقافة إلى الشعب، كما كان من أثرها تعليم المرأة، وأخذها حظا عظيما من الثقافة حتى بدأت تساهم في الإنتاج، وإن كان إنتاجها لا يزال إلى الآن ضعيفا.

وكان من عمل الأوربيين أيضا في خدمة الأدب العربي حركة الاستشراق؛ فقد نشر المستشرقون أهم الكتب العربية في دقة وعناية، وعلمونا كيف ننشر الكتب في تحقيق وضبط، من مقابلة النسخ بعضها ببعض، ووضع فهارس وافية لها إلى غير ذلك.

وكانت لهم بجانب ذلك بحوث قيمة في الموضوعات الإسلامية والموضوعات الأدبية، كالذي يتمثل في تأليفهم لدائرة المعارف الإسلامية. نعم إن بعضهم - من غير شك - قد غلب عليه التعصب الديني في بحوثه، وبعضهم غلب عليه التعصب السياسي لأمته، وبعضهم وقع في أخطاء كبيرة منشؤها صعوبة تذوق روح اللغة وأدبها، ولكن هذا كله لا يذهب بفضل الكثير منهم، وخاصة من ناحية أننا استفدنا منهم طرق البحث وكيفية الاستفادة من النصوص.

يضاف إلى ذلك ما يعقدون من مؤتمرات، كمؤتمر المستشرقين الذي من مزاياه تعارف المستشرقين، ومعرفة النتائج التي وصلوا إليها ووضع الخطط للبحوث المستقبلية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٦٥