يا سيدتي: أكثر الناس يخطئ فيفهم أن الغنى هو سبب السعادة، نعم إن الفقر سبب من أسباب الشقاء؛ فمن لم يجد ما يعوله ويعول أولاده فهو في شقاء، فالقدر الكافي من المال لسد الحاجات الضرورية وسيلة من وسائل الحياة السعيدة، ولكن الغنى ليس كل شيء في الحياة السعيدة، بل كثيرا ما يكون عائقا عن السعادة لأسباب بسيطة واضحة كل الوضوح؛ فالمال لا نستطيع أن نشتري به الصحة ولا الحب ولا الطمأنينة، ومن ركز غرضه في جمع المال لم يجد فرصة للترفيه عن نفسه في النواحي الأخرى، واللذائذ التي تنال بالغنى سريعة الزوال، والنفس أسرع إلى الملل منها، والغنى المفرط مشغلة تجعل الغني خادما للمال وليس المال خادمه، وأكثر الناس يخطئ في حقيقة بديهية وهي أن ليست السعادة أن يكون عندك شيء، ولكن أن تعمل شيئا، فالسعادة ليست في الملكية ولكن في العمل. إن مثل من يجمع المال قصدا للسعادة كمثل من يتسلح للعدو فيلبس دروعا ثقيلة، ويحمل أسلحة كثيرة حتى يثقل ذلك عليه فيمنعه من السير.
فغناك وغنى أسرتك - يا سيدتي - لا يخلق السعادة، ولكن يصلح أن يكون وسيلة من وسائلها.
تسألينني في آخر خطابك عن وسائل الحياة الطيبة فأرى أنها تقوم على أسس أربعة:
أولها: العمل:
وهو قدر لا بد منه للغني والفقير، والرجل والمرأة، وبدونه تصبح الحياة عبئا ثقيلا لا يطاق. إن العمل واجب من ناحية الأخلاق، فمن أكل من مال الأمة وجب أن يقدم لها أجر ما أكل. ومن سوء الحظ في المدنية الحاضرة والسابقة أن الجزاء فيها ليس متكافئا مع العمل، فالأمم كلها - مع الأسف - مملوءة بالأمثلة العديدة لأناس يعملون كثيرا، ويعملون عملا نافعا عظيما، ثم لا يكافئون على عملهم إلا بالقليل الذي يسد رمقهم، وبجانبهم من يعمل قليلا أو لا يعمل أصلا أو يعمل شرا ثم هو يكافأ على ذلك من غير حساب، وهذا عيب في المدنية يجب أن يعالج، ثم العمل واجب من الناحية النفسية، فالطبيعة نفسها فرضته فرضا؛ لأنها خلقت الإنسان اجتماعيا بطبعه، وحمت نفسها بالعمل، فمن لم يعمل عاقبته بالسآمة والملل والضجر لمخالفته قوانينها، وكلما كان العمل لنفع الناس كان جزاء الطبيعة عليه أوفى؛ لأنه يتمشى مع أغراضها مع بقاء المجتمع ورقيه، وعبرة ذلك في التاريخ نفسه، فهو لم يحفظ لنا أسماء الأغنياء والوزراء والمترفين بقدر ما حفظ لنا أسماء كبار العاملين الخيرين. بالأمس كنت أتحدث إلى صديق لي عن العالم الشهير «ابن حزم الأندلسي»، فكان مما قلته: إنه كان عالما كبيرا وأخلاقيا عظيما، وكان من بيت كبير فقد كان أبوه وزيرا. فقال: ما اسم أبيه؟ قلت: نسيت ذلك. قال: إن في ذلك لعبرة. لقد حفظت وحفظ أمثالك اسم العالم ونسيت ونسي أمثالك اسم الوزير الذي كان ذا جاه عريض - لا أحد يذكر الأغنياء حتى في عهدنا القريب كما يذكرون الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني. إذا تكاسلت ولم تعمل فلا أحد يعاقبك، ولكن تعاقبك الطبيعة، فقد منحتك الطبيعة القدرة على العمل، فإذا لم تجد لها منفذا تحولت من العمل في الخارج إلى العمل في تحطيم النفس في الداخل، ثم آل ذلك إما إلى تهدم أعصاب أو نوع من السوداء أو الخلل أو الانتحار. فالحياة بلا عمل حياة ميتة. لست مخيرا في أن تعمل أو لا تعمل، فالطبيعة لم تمنحك هذا الاختيار، وكل اختيارك إنما هو في نوع العمل الذي يصلح لك وتصلح له. وإني لا أشك في أن الأغنياء الذين لا عمل لهم من أشقى الناس؛ ولذلك يبحثون عن اللذائذ الرخيصة يضيعون بها سأمهم، ولكن سرعان ما تنقضي لذائذهم. فخير أكلة ما أكلها الإنسان على جوع، وخير نوم ما نامه الإنسان بعد تعب. والراحة الدائمة في حاجة إلى إجازة أكثر من حاجة العمل إلى إجازة.
ولعل سأم السيدات وخصوصا المترفات اللائي اعتمدن في عمل البيت وتربية الطفل على الخدم والحشم سببه هذا، وهو الحياة بلا عمل ، وتلمس السعادة من طريق اللذائذ التافهة.