تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأساس الثاني للحياة الطيبة:

الطبع الراضي، أو المزاج الفرح، أو الطبيعة المتفائلة. فنرى في الحياة وجوهها الباسمة وخيراتها الكثيرة فكثير من أسباب الشقاء يرجع إلى الطبع الساخط، الطبع الذي لا يرى في الحياة إلا مصائبها وشرورها وأحزانها، الطبع الذي يخلق من كل سرور بكاء ومن كل لذة ألما، ومن كل مسرة محزنة، الطبع الذي إذا أتيت له بعشرين تفاحة كلها جيدة ما عدا واحدة لا تقع عينه إلا على الفاسدة، وإذا كان في بيته كل ما يسر لم يلتفت إليه وخلق الغضب من طبق كسر أو كرسي في غير موضعه، لا يعجبه من الروايات إلا الروايات المبكية، ولا من النغمات إلا النغمات الحزينة حتى أصبحت حياتهم نفسها رواية مبكية أو نغمة حزينة. الطبع الراضي متسامح في الصغائر، خالق للسعادة باش مستبشر، يتوقع الخير أكثر مما يتوقع الشر، يضحك حتى في الهزيمة وحتى عند الخسارة المادية. يرى أن مسرح الحياة كميدان لعب الكرة، يكسب اللاعب فيضحك، ويخسر فينتظر الغلبة.

الأساس الثالث:

أن يكون للإنسان غرض نبيل في حياته الاجتماعية، يشعر بأن هناك بائسين في ناحية من نواحيهم، فالدنيا مملوءة بآلام الناس من مرض وفقر، فإذا استطاع أن يشعر قلبه الرحمة فيعمل في جمعية تخفف الفقر أو تواسي المرضى أو تسعف المنكوبين أو نحو ذلك ، شعر بأن حياته غنية بعمل الخير فاغتبط وسعد، يسعد لمشاركة الخيرين في عملهم، ويسعد في شعوره بمحاولته إنقاذ البائسين في بؤسهم، وهذا عمل في متناول الرجال والنساء على السواء، فكل يستطيع أن يشترك في خدمة اجتماعية يقدمها فيشعر بالغبطة والسرور. ولا شيء يبعث على الضجر والسأم كمعيشة الإنسان لنفسه فقط. إن الأنانية وحب الذات خلق طفلي يصحب النفس الضيقة في دور الطفولة، فمن كبر ولا زال لا يحب إلا نفسه كان ذلك علامة طفولته وصغر نفسه. الأناني كثير السأم لأنه لا يشعر إلا بنفسه، ونفسه تدور حول نفسها. أما الذين يشعرون بغيرهم فيضيفون نفوسا إلى نفوسهم، وآفاقا إلى آفاقهم، ويجدون لأنفسهم أغذية مختلف من شعور الآخرين وآرائهم.

الأساس الرابع للحياة الطيبة:

أن يكون لك غرض في الحياة محدود، ثم يكون لك اهتمام في تحقيقه وتعاون مع من يشاركك في برنامجه، توسع ثقافتك فيما حددت من غرض، وتتعشقه حتى تتلذذ من العمل الذي يقرب من النجاح فيه - فحدد الغرض وارسم برنامجه ورتب خطواته، وأحبه وأحب العمل للوصول إليه تشعر بسعادة لا تقدر.

إن كثيرا من البؤساء في الحياة سبب بؤسهم أنهم يعيشون ولا يدركون لم يعيشون، وما وظيفتهم في الحياة وما غرضهم منها، فيكون كالسائر في الشارع بلا غرض، يتسكع هنا آنا وهنا آنا. فإذا رأيت رجلا متبرما من الحياة، ضيق الصدر، ملولا ضجرا يغلب عليه الحزن والكدر فاعلم أنه فقد عنصرا أو أساسا من عناصر الحياة الطيبة، فهو إما فارغ لا عمل له يعتمد على مال موروث أو مال يأتي من عمل غيره ويكتفي بهذا ويركن إلى البطالة، أو هو إنسان تعود أن يرى الحياة بمنظار أسود دائما فاستسلم لهذا ولم يقاومه، أو هو عاش لنفسه فقط فلم يشترك في عمل اجتماعي يشعره الرحمة والشفقة، وهي من النعم الكبرى على الإنسان، أو عاش بلا غرض كالريشة في الهواء لا يتحمس لعمل ولا ينظر إلى غاية.

هذه - يا سيدتي - هي أسباب الحياة الطيبة، وفقدانها أو فقدان واحد منها يجعلها حياة تعسة بغيضة.

فليختبر كل نفسه ليعرف موضع مرضه.

1

| أحرقوا اللوائح!!

يحكى أن علي مبارك باشا، كان يوما من أيامه مديرا للأوقاف (أو كما نسميه اليوم وزير الأوقاف)، فدخل يوما مكتبه، فوجد عليه لوائح مكدسة، وهي لكثرتها وتعقدها لا تنهي أمرا ولا تنجز عملا.

ولاحظ أن هناك لوائح ناسخة ولوائح منسوخة ... ومادة في لائحة تناقض مادة في لائحة أخرى، ومادة في اللائحة القديمة والجديدة لا تتفق والعدالة ... والوزارة كلها من كتبتها إلى وزيرها مستعبدون للوائح ... قد وضعت في الأصل لتنظيم العمل، فإذا هي الآن تشل العمل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٦٣