وتحميل النفس أعباء كثيرة وهموما ثقيلة ومداومة التفكير فيها، كثيرا ما ينتج هذه النتيجة، وهكذا.
مثل أعصابنا كمثل أسلاك الكهرباء في بيوتنا، فإذا انطفأ النور فابحث عن سببه ثم عالجه بما يصلحه، فافحص حياتك هل تعتاد عادات سيئة في جسمك فتسهر أكثر مما يلزم، أو تتعب في العمل أكثر مما يلزم، أو ترتاح أكثر ما يلزم، أو تتغذى أقل أو أكثر مما يلزم، أو نحو ذلك، واسأل مثل هذه الأسئلة نحو نفسك: هل ترهقها بالفكر أو تحمل الهم، هل تحملها ما لا تطيق من اجتماعات وحفلات، هل تعرضها لكثير من الانفعالات؟ فإذا أنت وفقت إلى موضع الداء فعالج سلوكك كما تعالج سلوك الكهرباء، كل شيء بما يناسبه.
فأما الأعصاب المحطمة الناتجة من مرض جسمي، فاطلب علاجها من أطباء الأجسام، وأما الناتجة عن مرض النفس، فمع الأسف لم يلتفت الناس إليها كما التفتوا إلى مرض الجسم؛ ثم كانت النهضة الحديثة في أوربا فتقدم علم النفس كثيرا، وكان له أطباء وإن كانوا في أول مراحلهم.
غير أن هناك مفتاحا أستطيع أن أدلك عليه كمفتاح البيت يفتح أبواب الحجر كلها، هو التنفيس عن نفسك بالتفكير في غيرك. إن الناس ينقسمون - عادة - إلى قسمين: قسم يكثر التفكير في نفسه، وقسم يكثر التفكير فيما حوله، وأكثر المصابين في أعصابهم هم من الصنف الأول الذي يكثر التفكير في نفسه - فحول البخار المضغوط في نفسك إلى عمل خارجي؛ ولذلك ترى أن الناس الذين يشغلون وقتهم بعمل للخدمة العامة أو المصلحة العامة أقل الناس تعرضا لضعف الأعصاب، وأكثر النساء المصابات بهذا المرض نشأ مرضهن كذلك من قصر نظرهن على التفكير في أنفسهن وأولادهن وبيتهن، وعلاج ذلك عندهن تأليف جمعيات لمساعدة المرضى أو الفقراء أو البؤساء أو نحو ذلك مما يصرف ذهنهن عن إطالة التفكير في أنفسهن.
والدليل على ذلك أن المريض بأعصابه يكره المجتمعات، ويكره الصداقة إلا أن يفكر في نفسه؛ فالدواء لا بد أن يكون على عكس الداء كما تعالج الحرارة بالبرودة والبرودة بالحرارة.
فوسع نفسك واشغلها بعمل يعود بالخير على الناس، واهتم بأصدقائك وجيرانك واهتم بشيء يناسبك يكون له صلة بالعالم الخارجي، ومن أجل هذا نرى أن المتدينين من أقل الناس تعرضا لهذه الأمراض العصبية؛ لأنهم يفكرون في ربهم، ولأنهم يطيعونه في أمره بأن نحب الناس كما نحب أنفسنا؛ ولأنهم يأتمرون بأمره في الإحسان إلى الجار وإلى الفقير والإيثار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؛ كل هذا فيه خير علاج من المرض العصبي؛ لأنه ينقذ الإنسان من الاستغراق في التفكير في نفسه.
ومن أجل هذا أيضا كان من أشد الناس تعرضا لهذه الأمراض من لا عمل لهم لغناهم أو اعتمادهم على ما يأتيهم من معاش أو من ميراث، فيصبح الزمن عبئا ثقيلا على أنفسهم يحاولون أن يهربوا منه بلعب النرد أو الشطرنج أو نحو ذلك، وباقي الزمن لا يفكرون فيه إلا في أنفسهم، فيستولى عليهم الهم ويعتريهم ضعف الأعصاب. إن ضعف الأعصاب كثيرا ما يكون سببه نتيجة قوة مكبوتة كالبخار المضغوط، ففرج عن نفسك بفتح الصمام له وتوجيهه إلى عمل نافع؛ فالعمل والاهتمام بشأن من شؤون الناس وقلة تفكير الإنسان في نفسه خير دواء لمعالجة الأعصاب والشفاء من أمراضها.
| أسس الحياة الطيبة
كل الناس يطلب الحياة الطيبة السعيدة ولكن أكثرهم لا يجدها؛ إما لأنه حرم وسائلها؛ وإما لأنه لم يعرف الطريق إليها.
كتبت إلي سيدة فاضلة تقول: إنها في رخاء في عيشها، فلديها المال الكافي للإنفاق في سخاء، وزوجها موظف كبير تدر عليه وظيفته المال الكافي، وأولادها في صحة ناجحون في مدارسهم، ومع ذلك فليست سعيدة لأنها تشعر بضيق لا تدري سببه، متوقعة في كل لحظة الشر وإن لم يكن. فابنها إذا غاب قليلا أوجست خيفة من غيابه، وزوجها إذا سافر توقعت الشر من سفره، وابنها إذا دخل الامتحان اضطربت خوفا من سقوطه، وهكذا لم ينفعها مالها ولا غنى زوجها ولا صحة أولادها، ولا وسائل الترف والرفاهية من الشقاء الذي هي فيه، وتسأل بعد ذلك عن وسائل الحياة الطيبة السعيدة.