تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهذا كانت ضحايا تحطيم الأعصاب كثيرة العدد، وهو يتخذ أشكالا عديدة: منها غلبة الحزن على الشخص أو السوداء، تختلف الأسماء والمسمى واحد. ومصداق ذلك أن أكثر أغانينا حزينة؛ لأن نغماتها تنسجم مع النفس الحزينة، وأكثر كلامنا في عيوبنا لا مزايانا لأن ذلك يتفق وآلامنا، وأكثر احتفالاتنا في مظاهر الحزن لا في مظاهر السرور. فالمآتم والقرافة وذكرى الأربعين وذكرى الوفاة للعام الأول والثاني إلى غير ذلك، كلها تناسب النفوس الحزينة الضعيفة الأعصاب التي إن لم تجد محزنة خلقت محزنة، بل إن لم تجد سببا للحزن حزنت لتوقعها الحزن.

ومن مظاهر تحطيم الأعصاب أيضا هذا الغضب السريع الجامح والانفعال الشديد للشيء السخيف، وتحول الإنسان شعلة نار من الغضب ثم تحوله بعد ذلك سريعا إلى لوح من ثلج بارد، وسرعة التنقل من بكاء إلى ضحك، ومن سب إلى استعطاف، ومن زمجرة إلى ندم، ومن أسد إلى قط، ومن ماء إلى حجر، كل هذه أشكال من تحطم الأعصاب.

وقد يتخذ شكلا آخر هو شكل الخوف، خوف مبني على غير أساس، يخاف الفقر وعنده ما يكفيه، ويخاف المرض وصحته جيدة، ويخاف فساد الأولاد وهم صالحون، وسقوطهم في المدرسة وهم ناجحون، ويخاف من رؤسائه وهم عنه راضون أو من شياطين الإنس والجن أو من الترام أو من القطار، أو من خيالات لا وجود لها يخلقها هو ثم يخاف منها - هذا كذلك شكل من تحطم الأعصاب.

وشكل آخر هو حالات عقلية غريبة؛ كضعف الثقة بنفسه، فيعتقد أنه لا يصلح لعمل وأنه إذا عمل عملا فهو لا يستحق شيئا، أو يخشى الناس ويخشى الاجتماع، أو يشك في الناس ويعتقد أنهم كلهم أنجاس لا يرجى منهم خير، أو هو لا يكترث بشأن من شئون الحياة، ولو انطبقت السماء على الأرض، لا تهمه أسرة ولا تهمه وظيفة ولا تهمه أمة، هذا كذلك شكل من تحطم الأعصاب، وما أكثر الأشكال والألوان! وألوف وألوف من الناس فقدوا سعادتهم، وفي كثير من الأحيان سلبوا سعادة من يتصل بهم لا لسبب إلا ضعف أعصابهم، وما نشأ عن ذلك من سوء تصرفاتهم.

وتحطم الأعصاب ليس ضرره مقصورا على المريض وأسرته، بل هو عظيم الضرر للأمة كلها؛ فكيف يؤدي الشخص عمله في وظيفته أو متجره أو مصنعه إذا تحطمت نفسه من تحطم أعصابه؟ كيف يركز قوته في عمله، كيف يفكر تفكيرا صحيحا سليما، كيف يؤدي عمله إذا لم ينم النوم الكافي لضعف أعصابه؟ - كل محطم الأعصاب كارثة على نفسه وعلى أسرته وعلى أمته.

قد تكون الحالات العصبية وهما من الأوهام يتخيله المريض وليس به مرض، فهو يخلق المرض ولا يزال يلح في اعتقاد أنه مريض حتى ينمو المرض في نفسه، ولهذا اعتدنا من قديم أن نعالج الوهم بالوهم، كالزار والبخور والرقى وطب الركة ونحو ذلك؛ وقد تنجح هذه الأمور ولكن سبب نجاحها أنها أوهام تعالج أوهاما، كالذي قرأت مرة أن طبيبا عربيا - لا أذكر اسمه الآن - عرض عليه مريض يتوهم دائما أنه يحمل على رأسه جرة ، فإذا دخل بابا انحنى حتى لا يعوق الباب الجرة، وقد حار فيه الأطباء، فاتفق هذا الطبيب الماهر مع خادمه أن يحضر جرة، فإذا جاء هذا المريض غافله ووقف وراءه بالجرة من غير أن يراه ثم كسر الجرة، وأوهم المريض أنها هي الجرة التي كانت على رأسه، ففعل ذلك وشفي المريض، وهكذا عالج الوهم بالوهم. ولكن في بعض الأحيان يكون تحطم الأعصاب مرضا حقيقيا سببه مرض في الجسم، أو مرض في النفس. وكثير منا في حياته اليومية يرهق أعصابه فتكون النتيجة ما ذكرنا.

فمثلا قسط من الراحة لا بد منه للإنسان، وإن لبدنك عليك حقا، فإذا أنت أنهكته بالسهر أو بالعمل ولم تعطه حظه من الراحة كان من نتيجة ذلك تحطم الأعصاب، وانشغال البال بمطالب الحياة المادية والاجتماعية، والإفراط في ذلك ضرر يصيب الجسم لا محالة تظهر آثاره على مدى الزمان فتضعف الأعصاب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٦٠