ومن مصائب هذا المرض أن صاحبه غالبا لا يؤمن بأنه مريض، عكس الأمراض الجسمية؛ فمن مرض بمعدته يتألم منها، وإذا لم يهضم أدرك أن العيب في معدته لا في الأكل الذي أكله. أما متهدم الأعصاب فيرى أن الدنيا سوداء كما يراها ولا يؤمن بأن العيب عيبه هو، بل في كثير من الأحيان لا يذهب لطبيب أعصاب يداويه؛ لأنه مؤمن أنه ليس بمريض، وإذا أجبر على الذهاب إليه اعتقد أن المريض هو الطبيب.
أكثر ما يحدث هذا التهدم العصبي عند فشل الإنسان في الحياة فشلا فظيعا لسبب من الأسباب، أو تحميل الإنسان نفسه فوق طاقتها من تكاليف وأعباء، وعدم إعطائها حظها من الراحة والهدوء. ولو حللنا أكثر الأسباب التي تدعو إلى هذا التهدم وجدناها ترجع إلى سببين أساسيين: الجهل والخوف.
أما الجهل وعلاقته بتهديم الأعصاب فيتجلى في عدم فهم الإنسان مقدرته ومركزه وكفايته أمام المطالب الاجتماعية، كأن يضع نفسه فوق ما يستحق، فهو يريد أن يسخر المجتمع لخدمته، يريد أن يتزوج ويشغل أكبر وظيفة، وتريد هي أن تتزوج خير رجل وتلعب بالمال لعبا، ويريد هو أن يطفر في المناصب أو في الغنى طفرا. ويريد أن يكون له الجاه العريض والنجاح السريع، والدنيا لا تسير على هواه وحده، والمجتمع إنما يسير بقيود وشروط، فإذا هو لم يحقق مطامحه البعيدة عد نفسه فاشلا، فصدمه ذلك صدمة هدمت أعصابه. وأسعد الناس وأهدؤهم بالا من وزنوا أنفسهم وزنا صحيحا وعرفوا الدنيا التي حولهم معرفة صحيحة. عرفوا أنفسهم بعيوبها ومزاياها، وعرفوا الدنيا بعيوبها ومزاياها، وطلبوا من الدنيا فقط ما يتفق وطبيعة نفوسهم وما يتفق وطبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه - ومما لا شك فيه أن العيب ليس كله راجعا إلى الشخص نفسه، فكثيرا ما تكون العيوب الكثيرة التي تهدم الأعصاب في المجتمع نفسه، كما إذا اختل فيه العدل الاجتماعي واختل فيه تقدير الكفايات، وكانت الرذائل تنجح فيه حيث تفشل الفضيلة، كذلك إذا كان المجتمع يرهق أرباب الأسر ولا يساعدهم في تخفيف الحياة عنهم بتسهيل وسائل التعليم ووسائل العيش؛ ولذلك كان المجتمع الفاسد الذي تسود فيه الفوضى والاضطراب محتاجا لكثير من المستشفيات لمتهدمي الأعصاب. إن جهل الأفراد بوزن نفوسهم وجهل أولي الأمر في تنظيم مجتمعهم هو أكبر سبب في تهديم أعصابهم. فتهدم الأعصاب ليس إلا نتيجة ارتباك في الحياة الخاصة أو الحياة العامة. وكثير من الناس يرون أنهم إما أن ينجحوا في الحياة مائة في المائة أو الخيبة المطلقة، على مبدأ الشاعر الذي يقول: «لنا الصدر دون العالمين أو القبر». ولكن طبيعة الحياة تأبى هذا، فليس في الدنيا ناجح مائة في المائة في كل شؤونها؛ فالمطالبة بهذا القدر وتنغيص النفس إذا لم يحدث ، والاتكاء على الأعصاب من أجل هذا المطلب المستحيل جهل بقوانين الطبيعة، ويكفي الإنسان طمأنينة وراحة بال أن ينجح بعض النجاح.
أما السبب الخطير الثاني في تهدم الأعصاب فهو الخوف وهو أشكال وأنواع: الخوف من الفشل، والخوف من الفقر، والخوف من الموت، والخوف من كلام الناس ... إلخ، وليس أدل على تهديم الخوف للأعصاب مما يحصل للناس في أثناء الحرب، فالخوف على أشكاله يهدم أعصاب الناس. وليس هناك أهدأ بالا وأصح أعصابا ممن استهان بالمخاوف وتشجع لمواجهة الصعاب ولتكن النتيجة ما تكون. ومن الحمق أن يجمع الإنسان على نفسه ألم الخوف من الشر قبل وقوعه وألم الشر عند وقوعه. فإذا كان لا بد من ألم فلكيف ألم الشر إذا وقع لا قبل أن يقع. وإذا كان أهم سبب لتهدم الأعصاب الجهل والخوف، فأهم علاج له العلم والشجاعة.
2
إن متاعب الحياة وتعقيد المدنية وإرهاق الناس بالمطالب سبب تحطيم أعصاب كثير من الناس، وربما كان ذلك في الشرق أكثر منه في الغرب. وذلك لأسباب عدة: منها فشو الفقر في الشرق، والمسافات البعيدة بين الطبقات وفشو الأمية. فالجهل كثيرا ما يكون السبب في تهدم الأعصاب، ثم عدم تنظيم الحياة الاجتماعية تنظيما مريحا، فأكثر البيوت لا راحة فيها من كثرة النزاع على توافه الأشياء، وضياع كثير من زمن الرجال في القهوات فرارا من البيت، وهي أمكنة مملوءة بالضوضاء، فاسدة الهواء، فاسدة المناظر، لا تسري حزنا ولا تفرج كربا. وليس هناك مجال للرجل المثقف ولا المرأة المثقفة ينعم فيه بالسعادة الهنيئة البريئة. فمحال اللهو لا تناسبهم، والاجتماعات العامة تضايقهم، ثم النظامات الاجتماعية لم تخفف عن الفقير فقره ولا المريض مرضه ولا رب الأسرة عبئه، ولا الفلاح ولا الصانع والعامل متاعبه، إلى كثير من أمثال ذلك.