تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان أكثر آبائنا إذا علموا أبناءهم فك الخط فهذا يكفي للحياة ولشغل الوظائف. أما الآن فالأب يحمل أعباء تربية أبنائه وبناته تعليما ابتدائيا وثانويا وعاليا، وماليته قد تكون محدودة فيرهق نفسه، وفي كل دور من أدوار التعليم مشاكل لا حد لها؛ هذا رسب في الامتحان، وهذا له ملحق، وهذا شب فلا يخضع لحكم آبائه، وهذا كان متأخرا في الترتيب فلا تقبله المدارس العالية أو الجامعة. والأسرة كلها من مشاكل من هذا القبيل لا تنتهي.

هذا باب واحد من أبواب الحياة.

وهذه ميزانية البيت معقدة مركبة، يحصل عليها النزاع في أول كل شهر وآخر كل شهر، الرزق محدود والمطالب غير محدودة. أقساط المدارس وغلاء المأكل وحاجة السيدة والأولاد إلى الملابس وحاجة الأب إلى مصاريف خاصة من أجرة انتقال وشرب دخان والماهية لا تكفي لكل ذلك، فينفق ما يستطيع من ماهيته والباقي ينفقه من أعصابه.

ويذهب الموظف إلى ديوانه فلا يزال يسمع من أخبار الدرجات والعلاوات ما يثير نفسه ويهيج مطامعه، والويل لأعصابه إذا لم تتحقق أمانيه، ونظام كل شيء في الحياة مركب معقد، الزواج سلسلة متاعب في الخطبة والمهر والجهاز والعقد والحفلات - والتعليم سلسلة مشاكل، وإدارة الأموال سلسة مشاكل.

حتى الغني الذي عنده أكثر مما يكفيه متعب مهدم الأعصاب من إدارة أمواله؛ هذا سرقه وهذا أكل ماله، والقضايا ترفع في المحاكم، والقضية الواحدة تطول ويتفرع عن القضية عشر قضايا والمطالب عليه تتكاثر، مشاكل إدارة الأطيان والفلاحين وناظر الزراعة والآلات، ثم مشاكل بيته من السيارات والخدم، وواجبات حياته الاجتماعية من استقبالات وزيارات وحفلات ومصايف ومشات ومرض وعلاج، وما إلى ذلك مما لو رآه الفقير لحمد الله على الفقر.

كان أجدادنا أبسط عيشا وحياتهم أهدأ من آبائنا، وآباؤنا أبسط عيشا وأهدأ بالا منا، ونحن أحسن حالا من أبنائنا. حياتنا كلها زائطة متعبة، في المنزل من هذه المشاكل، وفي الشارع من السيارات والعربات وسرعة الحركة وكثرة الناس، في كل محل ضوضاء، فأين تهدأ الأعصاب؟

ولهذا كان تهدم الأعصاب في سكان المدن أكثر منه في سكان الريف، وبين من يحملون الأعباء الكثيرة والمسئوليات المتنوعة أكثر من ذوي المسئوليات القليلة، وهكذا.

ما هي أعراض تهدم الأعصاب؟

هي بيننا كثيرة وأشكالها متعددة: ضيق بالحياة وانقباض صدر منها، وشعور بأن الدنيا كلها سوداء في عينيه ليس فيها ما يسر، والمبالغة في تقدير ما يحزن، والمبالغة في تقليل قيمة ما يسر، فإذا أتاه في يوم واحد عشرة أخبار تسعة منها سارة وواحد منها محزن، لم يلتفت إلى التسعة السارة وعلق كل أهمية على الخبر المحزن، وبالغ فيه كأن أعصابه أوتار عود لا يوقع عليها إلا النغمات المحزنة، ثم ينتج عن ذلك غضب لأتفه الأشياء؛ فالكلمة التي كان يسمعها فيبتسم منا أو لا يعيرها أي التفات تصبح كلمة لها أهميتها، يثور منها ويقيم الدنيا من أجلها ولا يقعدها، حتى ليكاد يغضب ممن قال له: السلام عليكم أو نهارك سعيد!! ليس عنده شيء يتساهل فيه، يدقق في كل صغيرة، ويخلق سببا للنزاع والخصام، والأشياء التي كان يراها كل يوم ويضحك منها أو يسكت عليها تنقلب فجأة أشياء خطيرة لا يصح السكوت عليها ولا يصح أن تمر من غير نزاع وخصام، ثم الشك المؤلم في قيمة الحياة، فلا هو يؤمن بقيمة ماله إن كان غنيا ولا بقيمة وظيفته إن كان في وظيفة كبيرة، ولا بقيمة أولاده مهما كانوا ناجحين في حياتهم أو مدارسهم، بل ولا يؤمن بقيمة نفسه، ثم يلح به هذا الشك في الأشياء وقيمها إلى أن يصاب بالتردد فلا يبت ولا يقرر؛ لأنه شاك في نتيجة هذا ونتيجة ذاك، غير مؤمن بالشيء ولا بضده، وهذا الشك وهذا التردد وهذه الحيرة تضاعف من انقباض صدره وحدة غضبه وتبرمه بالدنيا، ثم يحيط به الخوف من كل جانب، فهو خائف على ثروته أن تضيع، وعلى أولاده أن يصابوا بأذى، وعلى زوجته أن تخونه أو على زوجها أن يخونها، وعلى سيارته أن تحدث لها حادثة وعلى الترام يركبه أن يصطدم، وقد يبلغ به هذا الخوف إلى درجة من السخافة بمكان حتى قد يخلق من خياله أشخاصا يتصور أنهم يدبرون له المكايد ويحيكون له الدسائس؛ ففلان إنما يسار فلانا في أمره، وفلانا قابل فلانا لتدبير مؤامرة له، وهكذا من أنواع السخافات التي لا تنتهي، حتى ليبلغ به الأمر أن يفسر حركات الناس وتصرفاتهم تفسيرا غريبا يتعلق بشخصه والحط منه والكيد له، وغير ذلك من الأشكال والألوان، كحب العزلة والابتعاد عن الناس، والانفراد في حجرة حتى في بيته بين أسرته وقلة الرغبة في الكلام، ونحو ذلك، وكما أن الجنون فنون، فكذلك الأعراض تهدم الأعصاب فنون.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٥٨