فالمجتمعات الحاضرة كصاحبي النعاج؛ رجل يملك تسعا وتسعين نعجة، ورجل يملك نعجة واحدة، ومع ذلك لا يريد صاحب التسع والتسعين أن يترك النعجة لصاحبها، بل يريد أن يستولى عليها - سيدة تملك مئات الفساتين وتحتفظ بأثمن الجواهر، وامرأة لا تملك ثوبا واحدا صالحا، ورجل يملك آلاف الأفدنة ثم يظلم الأجير التي لا تكاد تسد رمقه، وامرأة غنية تطعم كلبها وتنفق عليه في مأكله وملبسه واستحمامه ما يكفي لعائلة مكونة من عشرة أشخاص لا يجدون ما يأكلون، وهكذا من آلاف الأمثلة.
نظر الناس في الأمم المختلفة هذه النظرة، ثم رأوا أنهم كانوا يعتقدون أن الثروة وتوزيعها شيء جرى به القضاء والقدر، لا يمكن تغييره، كالجو لا يمكن التحكم فيه بجعل اليوم البارد حارا والحار باردا، وأن الغني كتب له الغنى فهو غني لا محالة، والفقير كتب عليه الفقر فهو فقير لا محالة، ولكن رؤي أن هذه الفكرة خاطئة؛ فالثروة خاضعة لإرادة الدولة وإرادة الأمة وإرادة الرأي العام، فالدولة تستطيع بما تسن من قوانين أن تأخذ من جيب الغني لتعطي الفقير، وأن تحد من غنى الغني وترفع من مستوى عيشة الفقير، وهذا يحدث بين أعيننا كل يوم، عندنا وعند جميع الأمم. فالثروة وتوزيعها ليست كالجو في خروجه عن إرادتنا، ولكن ككل شيء تحت إرادتنا، فنستطيع أن نتحكم في الثروة وتوزيعها توزيعا عادلا أو قريبا من العدالة.
ثم نظروا فرأوا أن الفقير لا يمكنه أن ينال حظه من العدالة الاجتماعية، إلا إذا نال قسطا من المال الكافي لغذائه وغذاء أسرته وتمريضهم إذا مرضوا، وتعليمهم إذا جهلوا. وأن الغني المفرط في الغنى يستطيع أن يحقق مطالبه وحقوقه بقسط من ماله، ويبقى بعد ذلك عنده مال كثير زائد عن مطالبه ومعطل لمطالب الآخرين، فيجب التدخل في هذا وتنظيم التوزيع تنظيما يحقق لأكبر عدد ممكن تحقيق العدالة الاجتماعية. هذه هي المسألة الكبرى التي شغلت الأذهان في كل أمة عندما فكروا في العدالة الاجتماعية، سواء في ذلك الأمم الاشتراكية والأمم الديمقراطية، وإن كانوا قد عالجوا هذه المشكلة بعلاجات مختلفة بعضها متطرف وبعضها معتدل.
فالأمم المعتدلة فرضت الضرائب التصاعدية على الأغنياء حتى كادت تجعل للغني حدا لا يتجاوزه، فإن زاد عن ذلك أخذته الدول وأنفقت منه على إصلاح حال الفقراء حتى يصلوا إلى مستوى لائق بالإنسانية، فأنفقت منه على التعليم المجاني وعلى خفض مستوى الأسعار وعلى بناء المساكن الصحية للعمال، وأعطتهم من المال المدخر أيام بطالتهم التي لا دخل لهم فيها. وهكذا رفعت مستوى الفقير وجعلت له حدا لا ينزل عنه، وحددت من غنى الغني وجعلت له حدا لا يتجاوزه، كل هذا طلبا لتحقيق العدالة الاجتماعية بالتدريج في الحدود المعقولة.
| المدنية تحطم الأعصاب
1
ما أصدق اللغة الحية في تسجيل الأفكار الجديدة! فكما أن اللغة تضع الاسم لما يخترع من الآلات والأدوات بمجرد اختراعه، كذلك الشأن في المعاني المستحدثة.
ونجد في لغتنا الحديثة كثرة استعمال «تهدمت الأعصاب وتحطمت أعصابه وتوترت أعصابه»، ونحو ذلك مما لا نجده في كتبنا القديمة، كما أننا نجد اللغة العامية أكثرت من استعمال «النرفزة» أخذا من الكلمة الإفرنجية
Nervous
بمعنى عصبي المزاج. ولم يكن آباؤنا يستعملون هذه الكلمات ولا التعبيرات لأنهم لم يشعروا بتهدم الأعصاب، إنما تهدمت أعصابنا نحن بتكاليف المدنية وأعباء الحياة.
والسبب في هذا الشعور بتهدم الأعصاب كثرة تكاليف الحياة وزيادة أعبائها وتعدد مطالبها، وانتقال كثير من الكماليات إلى ضروريات مما لم يكن له نظير عند آبائنا وأجدادنا، تعقدت المدنية وتركبت وكثرت فيها المطالب، وشعر الإنسان بأنه لا بد أن يوفي هذه المطالب كلها، وطاقته محدودة وماليته محدودة، فينوء تحت هذه الأعباء ويشعر بتهدم أعصابه.