تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما تقدم الناس في المدنية والشؤون الاجتماعية، أضافوا معنى جديدا إلى معنى العدالة وهو العدالة الاجتماعية، ويعنون بها واجب الدولة نحو أفراد الأمة؛ فكما أن الفرد قد يكون عادلا وقد يكون ظالما، فكذلك الدولة قد تكون عادلة وقد تكون ظالمة. فما هي الدولة أو الحكومة العادلة؟

الحكومة العادلة عدلا تاما هي التي يكون لها من النظم والقوانين والأعمال ما يمكن كل فرد من أفراد الأمة أن يرقي نفسه على قدر استعداده في دائرة عمله. فمثلا في الأمة طائفة من التجار يحتاجون في تجارتهم إلى تلغراف وبريد وسكك حديدية وأدوات نقل، وقدر كبير من الحرية في التعامل. فواجب الحكومة العادلة أن تحقق لهم ذلك. وفي الأمة طائفة من الفلاحين لا يمكن أن يرقوا أنفسهم إلا إذا حصلوا على وسائل العيش الضرورية، وأسست لهم النقابات لتمدهم وتقيهم من جشع التجار ونحو ذلك، وهكذا.

وفوق هذا وذاك لا يمكن لأية طائفة في الأمة سواء كانوا فلاحين أو تجارا أو صناعا أن يرقوا أنفسهم، إلا إذا حصلوا على حقوقهم الضرورية في الحياة، ومن أهم ذلك الوسائل الصحية، فلكل إنسان الحق على الدولة أن يشرب ماء نظيفا ويسكن مسكنا صحيا، ويجد الغذاء الصحي الضروري، إذا مرض أمكنه أن يعالج، فإن كان غنيا فبماله، وإن كان فقيرا فبمال الدولة؛ بما تنشئه من مستشفيات مجانية تسع كل المرضى الفقراء، وهكذا. فإن فعلت الدولة هذا فدولة عادلة، وإلا فظالمة .

وكذلك الشأن في التعليم. فمن حق كل فرد في الأمة أن يتعلم على قدر استعداده؛ لأنه لا يمكنه أن يرقي نفسه إلا إذا تعلم، ولا يمكن أن يحمي نفسه من جشع المرابين وظلم التجار والحكام إلا إذا تعلم، ولا يمكنه أن يفهم حقوقه ويطالب بها إلا إذا تعلم. فالدولة التي تنشر هذا التعليم إلى أقصى درجة ممكنة دولة عادلة، وإلا فظالمة - فإذا كان الفلاح لا يجد ما يأكل أكلا يقوم بحاجته، ومن أراد أن يتعلم لا يجد وسيلة لتعلمه فهذا ظلم اجتماعي، وإذا وجدا كل ذلك فهذه عدالة اجتماعية.

وقد نظر أفلاطون - وهو من فلاسفة اليونان الأقدمين - نظرة راقية جدا إلى العدالة الاجتماعية فقال: «إن خير دولة أو خير حكومة هي التي تضع كل فرد من أفراد الأمة في خير مكان يليق به حسب استعداده، ويستطيع أن يظهر فيه مواهبه، ثم تمده الدولة بجميع ما يحتاج إليه لأداء ما عهد إليه به». وهو مطلب عسير لم تستطع أية دولة - مهما رقيت - الوصول إليه إلى الآن. ولكن وصل كثير من الأمم الحية إلى بعض هذا؛ كضمان وسائل الصحة لكل الأفراد، وإفساح الطريق لذوي الكفايات أن يظهروا استعدادهم وكفايتهم بقطع النظر عن حسبهم ونسبهم.

كل فرد في الأمة له الحق على الدولة أن يجد ما يحفظ صحته من غذاء، ومن ماء صحي ومن مسكن صحي، وله الحق أن يتعلم حسب استعداده، وأن يرقي نفسه حسب استعداده، وعلى الدولة أن تحقق للأفراد كل ذلك وأن ترقيهم جسميا وعقليا وخلقيا إلى أقصى حد ممكن، فإن فعلت ذلك حققت العدالة الاجتماعية وإلا لا.

ولما ارتقت عقول الناس، وشعروا بضرورة العدالة الاجتماعية كان أول ما صدمهم أن رأوا أن أكبر عقبة في سبيل تحقيق العدالة هي توزيع الثروة في الأمة؛ إذ رأوا أنه توزيع غريب، فشخص يمتلك الملايين والألوف، وشخص لا يجد ما يأكل، مع أن الأول في كثير من الأحيان لا يعمل، والثاني يكد في العمل بنفسه وبزوجته وأولاده، ثم لا يحصل قوته وقوتهم. فمثل المجتمع والحالة هذه كمثل شخص مع ألف رغيف، وأراد أن يوزعها فأعطى رجلا أعزب لا أسرة له 999 رغيفا، وأعطى أسرة مكونة من أب وأم وثمانية أولاد رغيفا واحدا. أو كالمثل الذي ضربه القرآن الكريم في الخصوم الذين دخلوا على داود فقالوا:

خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال (أي: صاحب التسع والتسعين لصاحب الواحدة) أكفلنيها (أي: ملكنيها) وعزني في الخطاب أي: غلبني في الحجة) * قال (داود) لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض .

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٥٦