قال السلطان: نتوكل على بركة الله.
فكتب الرجل قائمة بأسماء الأشياء التي يأمر السلطان بإحضارها، وكان منها «الطبرمك»، فدفع السلطان القائمة للأستاذ الدار وقال له: أحضر هذه الأشياء، فأحضرها جميعا إلا الطبرمك فلم يجده عند العطارين.
فقال الرجل: أفي دمشق كلها لا يوجد «الطبرمك»؟! هذا عجيب ولا يمكن أن يكون! قال السلطان: أما هناك شيء يقوم مقامه؟ قال الرجل: لا والله، ولكن ربما كان العطارون في دمشق يسمونه باسم آخر، فإذا شاء السلطان أمر المحتسب أن يذهب معي، ويفتش دكاكين العطارين ومعنا شهود عدول يشهدون على ما نعمل. ففعل السلطان ذلك.
وذهب المحتسب والشهود والرجل إلى دكاكين العطارين يفتشونها دكانا دكانا. وأخيرا ذهبوا إلى دكان العطار الذي كان قد اشترى من الدجال الحبوب، وأخذ الدجال يفتح علبة فعلبة حتى عثر على العلبة التي فيها الحبوب، فقال: هذا هو الطبرمك وتهلل وجهه فرحا، وقال: إن هذا السلطان سعيد وله حظ جميل وذلك من صالح المسلمين. وقال للمحتسب والشهود: اختموا عليه واذهبوا به إلى القلعة حيث يقيم السلطان، وسألوا العطار: بكم اشتريتها؟ قال: بخمسة دراهم. قال الدجال: هذه عشرة، ولا تضيع وقتك وتطلع إلى القلعة لقبض الثمن.
ورجعوا إلى السلطان فرحين ومعهم كل ما كتب في القائمة، ثم قعد السلطان وخادم له أمين في ناحية وجلس الرجل في ناحية أمامهما يقول: يزن مولانا من العقار الفلاني كذا ومن العقار الفلاني كذا، ثم قال: ومن الطبرمك مائة مثقال. ووضعت كلها في بوتقة وأحميت تحتها النار، ثم قال: اقلب البوتقة فنزلت سبيكة من الذهب الخالص لا شيء أحسن منه.
فلما نظر السلطان ذلك دهش أشد الدهش، وبعث بالسبيكة إلى الصاغة، فشهدوا جميعا بأنها ذهب خالص وأنهم مستعدون أن يشتروه بسعر الذهب.
ثم كررت هذه العملية عشر مرات، وفي كلها تنجح نجاحا باهرا، وبعد ذلك فرغ الطبرمك، فطلبوه في دكاكين العطارين فلم يجدوه.
قال السلطان: ماذا نعمل لإحضار الطبرمك؟
قال الرجل: إنه معدن موجود في مغارة في خراسان، فإذا أراد مولانا السلطان بعث من يحضر ما يشاء من هذه المغارة ولو كان ألف حمل جمل، وأنا عندي في بيتي بخراسان مقدار قنطار.
قال السلطان: ما لهذا الأمر غيرك، فتذهب أنت وتحضر منه مقدارا، فإذا منع مانع فأحضر القنطار الذي عندك.
قال: إن رأى السلطان أن يبعث غيري وأنا أبقى هنا كان أحسن؛ فإني قد طابت نفسي في دمشق.
قال السلطان: لا أحد لهذا الأمر غيرك، فأنت الذي تعرف المكان وتعرف الطبرمك.
فأطاع الرجل، وزوده السلطان بزاد ومال يساوي آلاف الدنانير، وكتب له كتبا إلى سائر البلاد ليرعوه ويجيبوا مطالبه.
ثم انتظر السلطان طويلا عودته.
وحدث حادثة طريفة أن رجلا في دمشق كان يؤلف كتابا في هذه الأيام يذكر فيه أسماء المغفلين، فوضع اسم السلطان نور الدين في أول القائمة، وبلغ ذلك السلطان، فاستدعاه وسأله: ماذا رأيت من غفلتي؟ قال: حكاية العجمي.
قال السلطان: إنه ذهب ليحضر الطبرمك، وماذا في هذا؟
قال المؤلف: إذا أحضر الطبرمك محوت اسمك من هذا الكتاب.
ولم يجئ الطبرمك، ولم يمح الاسم إلى الآن.
فهل يعتبر المعتبرون فلا يستغفلون؟ أو أن الناس هم الناس ولكل زمان مغفلوه ...
| العدالة الاجتماعية
العدالة والعدل بمعنى واحد - وقد كان الناس يفهمون العدل على أنه بين فرد وفرد، وقالوا: إنه هو إعطاء كل ذي حق حقه، فالغاضب والسارق ظالم؛ لأن كليهما يأخذ مال الغير ويمنعه حقه، والبائع الذي يكيل للمشتري أو يزن أقل مما اتفقا عليه ظالما؛ لأنه لم يعطه حقه.
ومن أجل هذا أقامت الدولة القضاء لمنع الظلم بين الأفراد وتحقيق العدل. وأحاطت القضاء بقوة التنفيذ حتى ينال كل ذي حق حقه، وأمرت القضاة ألا يتحيزوا بل يعطوا الحق لصاحب الحق من غير تفرقة بين غني وفقير ووجيه وغير وجيه وأبيض وأسود؛ ولذلك كان الرومان يمثلون آلهة العدل بامرأة معصوبة العينين ممسكة ميزانا ذا كفتين بإحدى يديها وباليد الأخرى سيفا. وعصب العينين رمز إلى أن القاضي يجب أن يعمى عن الاعتبارات التي تجعله يتحيز من غير حق كالغنى والجاه ونحو ذلك، ورمزوا بالميزان إلى أن القاضي يجب أن يزن لكل إنسان حقه بالدقة والضبط، وبالسيف إلى أنه يجب أن ينفذ العدل بالقوة إذا احتيج إليها.