وكان من أهم طرق الاستغفال في العصر الماضي، ولا يزال دعوى القدرة على قلب الرصاص والحديد والنحاس وجميع المعادن ذهبا بطريق الكيمياء، وقد شغلت هذه المسألة عقول الناس زمنا طويلا وجرى فيها الجدل الطويل: هل هذا ممكن أو ليس بممكن؟ وكم أضاع كثير من الناس أموالهم وأعمارهم في سبيل التجارب التي يجربونها؛ ليحصلوا من الرصاص أو نحوه على ذهب، وكم في دار الكتب من كتب في هذا الموضوع لا يزال بعض الناس يطلبها ليقرأها، وقصتنا هذه تدور حول هذا الموضوع، وخلاصتها:
أن السلطان الملك العادل نور الدين زنكي - ذلك الملك العظيم الذي ربى صلاح الدين وفتح به مصر، والذي مد سلطانه على مملكة واسعة، فملك الموصل وديار الجزيرة والشام ومصر واليمن وخطب له بالحرمين، والذي دوخ الصليبيين وعلم صلاح الدين أن يتم في حروبهم ما بدأ هو به، والذي له المآثر الحميدة في العدل وحسن السيرة. هذا السلطان مع كبر عقله وقوة نفسه استطاع محتال أن يضحك عليه، وينصب له شبكته حتى يقع فيها - كما يحكون.
ذلك أن رجلا عجميا أتى إلى دمشق حيث يقيم نور الدين وكان معه ألف دينار، فبردها وجعلها ناعمة كالتراب، ثم خلطها ببعض العقاقير وعجن الجميع بغراء السمك، ثم قطعها حبوبا كالحمصة وجففها، ثم لبس لبس الصوفية وتزيى بزي الصالحين، ووضع هذه الحبوب في مخلاة وأتى إلى دكان من دكاكين العطارين وقال له: أتشتري مني هذا؟
قال العطار: فما هو؟
قال الصوفي: إنه نوع من الدواء يسمى «طبرمك» ينفع من السموم، ويشفي كثيرا من العلل ويدخل في جميع الأدوية التي تعدل المزاج وله نفع عظيم، ولولا أني شديد الحاجة إلى المال ما بعته، ولو كان أحد يعرف قدره لدفع فيه وزنه ذهبا.
قال العطار: فبكم تبيعه؟
قال الصوفي: بعشرة دراهم.
وما زالا يتماسكان حتى باعه له بخمسة دراهم.
إلى هنا منظر غريب، رجل يبيع في الحقيقة ألف جنيه بعشرة قروش، فما غرضه من ذلك؟ هذا أول فصل في الرواية.
ثم خلع لبس الصوفية ولبس لبس الوجهاء واستأجر دارا فخمة، وكان إذا سار يتبعه مملوك وجيه، وتصرف تصرف الوجهاء حتى لفت إليه الأنظار، وتعرف ببعض العظماء ودعاهم إلى بيته يقيم لهم الولائم ويسمعهم الغناء وينفق عن سعة، فتساءلوا عن سر غناه، فقال لهم: إنه علم سر الكيمياء، واستطاع أن يحول المعادن إلى ذهب؛ ولذلك هو ينفق عن سعة، فدعوه إلى أن يعمل لهم شيئا من هذا القبيل فأبى، وقال: أنا لست محتاجا إلى أحد بفضل ما وهبني الله من العلم، وأنا قد حلفت بالله ألا أعمل هذا العمل إلا لملك، على شرط أن ينفق الذهب الذي أعمله في سبيل الله ومحاربة الصليبيين.
وانتقل الخبر حتى وصل إلى الوزير، فاستدعاه وطلب منه أن يعمل له ذهبا فأعاد عليه قوله. ففكر الوزير وقال: والله هذه فكرة جميلة وفي عمله سعادة للمسلمين، فالصليبيون يغزوننا، ونحن أحوج ما نكون إلى المال نعد به العدة للقتال، ونجهز به الجند، ومن ملك المال والجند كانت له الغلبة، فلم لا ننتفع بعلمه ونحضر له المعادن، فيحولها إلى ذهب فنكون أغنى دولة وأقدرها على القتال؟
فسأله هل يخبر السلطان بذلك؟ قال: نعم.
وبلغ الوزير الخبر للسلطان، فاستدعاه وسأله، فأعاد عليه ما قال. قال السلطان: ولكن كم سمعت من مثل هذه الأقوال ثم ظهر أنها كلها دجل، كم أضاع الناس أموالهم وأعمارهم في هذه السبيل من غير طائل، وما أكثر الدجالين والمحتالين في هذا الباب!
قال الرجل: نعم أيها الملك ما أكثر المحتالين ولكني لست أحدهم، ولو كنت محتالا ما احتلت على مثلك في عقله وسلطانه، ولاحتلت على غيرك من عامة الناس، ولما اشترطت أن ما أخرجه لا ينفق إلا في سبيل الله، ومع هذا فإني أعاهدك ألا أمس شيئا بيدي ولا أدع أحدا يمسه غيرك. وإنما أصف لك الأدوات تأمر بإحضارها وأقول لك: اصنع كذا واصنع كذا فتعمله بيدك حتى تثق من أن الأمر ليس دجلا وإنما هو الحقيقة.