وقد قرأت أن عالما زراعيا عين مديرا لمقاطعة، فوجد أهلها فقراء بؤساء لا يجدون من الغذاء ما يكفيهم؛ لأنهم اعتادوا أن يزرعوا الأرض سنة ويتركوها سنة، فأبان لهم أن ليس من المصلحة ولا من الضروري تركها بورا سنة، وإنما يمكنهم أن يزرعوها كل سنة ويحسنوا الأرض بتغيير نوع ما يزرع، وبهذا تحسن الأرض ويزيد المحصول، ففعلوا، وقد تركهم بعد إقامته بينهم سنين وقد تضاعفت ثروتهم وحسن حالهم، ووجدوا ما يأكلون ووجد بينهم أغنياء يزيد المال عن حاجتهم.
وهكذا يمكن العلم أن يحسن المحصول، وأن يزيد الثروة وأن يزيل الفقر والبؤس. خذ مثلا آخر: كان عند عامة الناس طب يسمى طب «الركة»، وكان مبنيا على الخرافات والأوهام، فكان من يصاب بالرمد يصفون له أن يعلق على عينه قطعة لحم حمراء تتعفن بعد قليل فتكون سببا لجراثيم ضارة. وكثير من الأمراض في الأرياف كانوا يعللونها بأنها من الحسد حتى الحميات! ويأتون بامرأة عجوز تشعل نارا وترمي فيها قطعة من الشب و«الفسوخ»، فإذا تبخرت مائيتها تأخذ قطعة الشب أشكالا مختلفة، فتقول العجوز: إنها صورة المرأة أو الرجل الذي حسد، وهكذا ... وهكذا. وكم ضاع بسبب طب الركة هذا من نفوس ومن عيون؛ لأن النتيجة لا تعالج بسببها، وإنما تعالج بالخرافات والأوهام. فلما تقدم العلم بحث في كل شيء عن سببه، وعولج السبب كما يدل عليه العلم، فإذا كانت حمى حلل الدم ليعرف نوع الحمى، ثم وصف ما اكتشفه العلم في العلاج، ولا يزال العلم يتقدم لأنه ليس إلا في مفتتح حياته.
خذ مثلا ثالثا - كان البحر مرعبا مفزعا وكم ذهبت فيه من ضحايا، وكان الإنسان أمامه جاهلا لا يعرف قوانينه ولا التوقي من أضراره، وكان أكثر ما يصاب به قوارب صيادي السمك؛ إذ يخرجون إلى عرض البحر فتهب العواصف الشديدة فتغرقهم بمراكبهم، وأخيرا تقدم العلم واكتشف علم اسمه «المترولوجي» يمكن به أن تعرف حالة الجو وتعرف العاصفة قبل حدوثها بساعات، فتصدر الإنذارات للقوارب بأن تلجأ إلى أماكن تقيها العاصفة، كما اكتشفت قوانين أخرى تقي المراكب شر الأضرار الجوية، وتؤمنها قدر الإمكان مما كان ينزل بها من أحداث.
وهكذا كلما رقي في ناحية من النواحي استخدم العلم مكان الخرافات والأوهام، وحبس الأرواح الشريرة التي كان يخلقها بنفسه من نفسه في قمقم وقضى عليها، ونظر إلى الطبيعة نظرة حب وهدوء واسترشاد.
كم من الأضرار أصابت الناس من الاعتقاد بالجن والعفاريت، ومن الحسد والسحر ومن الزار والأحجبة وساعات النحس وساعات الوفق والطوالع والتنجيم. إن العقل إذا ضعف اعتقد في هذه الأمور، وأسند إليها كل ما يحدث من شفاء ومرض وغنى وفقر ومنافع ومصائب. ولكنه إذا قوي ورقي أنكر كل هذه الأمور، وأسندها إلى أسبابها الصحيحة، والشأن في ذلك شأن الطفل يؤمن بالعفاريت والسحر والقصص المبينة على الخيالات، فإذا كبر عقله أدرك أن هذه كلها أوهام وأن الأمور بأسبابها. إن أردت النجاح فذاكر دروسك، وإن أردت النجاح في التجارة فاستعد لها بوسائلها من اقتصاد وضبط للدخل والخرج، وإن أردت الشفاء فاعرف المرض وحلل الدم وامح أسبابه، وإن أردت أي شيء فأت له من بابه بتعرف أسبابه.
2
إن العقل في الأمم وفي العصور المختلفة ينمو كما ينمو الطفل، ويمر بمراحل كما يمر عقل الطفل، فالإنسان في عهده الأول - كما قلنا - كانت حياته كلها خاضعة للخرافات والأوهام، فكان يعتقد في أعمال الجن والعفاريت، ويشكل حياته كلها على مقتضاها، ويفسر الرعد والبرق والخسوف والكسوف تفسيرا يناسب عقله من أنها من غضب الآلهة أو نحو ذلك، ويعتقد أن حياة الإنسان في الأرض خاضعة لأحكام النجوم. فالشخص سعيد لأنه ولد في طالع سعيد؛ وشقي لأنه ولد في طالع شقي، والحرب والسلم والغنى والفقر والموت والحياة وسعادة الزوجية وشقاؤها كلها كانوا يعتقدون أنها من أعمال الكواكب، وكانوا يعتقدون أن نجاح الزرع وعدم نجاحه راجع إلى غضب الأولياء والقديسين أو نحو ذلك.