تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأمم المتأخرة في العقل تبني أعمالها على هذا التخريف، فتنذر النذور للأولياء لشفاء الأمراض ونجاح الزرع، وتعلق الأحجبة للحماية من العين، وتتمسح بالأضرحة لقضاء الحاجات، ونحو ذلك.

فإذا ارتقى العقل في الأمة بنت أعمالها على قانون السبب والمسبب، وفهمت أن خلق هذا الكون وجعله يسير على قوانين محكمة منظمة. من أراد المسبب يجب أن يقوم بالأسباب، فيصبح علم الطب مكان طب الركة، وقوانين الزراعة مكان الزراعة بالبركة، وتؤسس التجارة على قوانين الاقتصاد مكان التجارة اعتمادا على الخط والبخت.

وكلما قوي العلم والمعرفة في أمة قتلت الخرافات والأوهام.

الأمم الضعيفة العقل تبني كل حياتها على الخرافات والأوهام، فإذا ساءت العلاقة بين الزوج وزوجته - مثلا - عملت له «الشبشبة» حتى يحبها ولا يحب غيرها، وإذا مرض الطفل أرسل إلى الشيخ أو الشيخة ليعزم له، وإذا حدث ما يهمهم ذهبوا إلى قارئ الكف أو ضارب الودع أو ضارب الرمل، وإذا حدث أي شيء سيئ عللوه بالحسد، واعتمدوا في الغنى على «فتح الكنز» وهكذا.

والأمة الراقية العقل تربي أطفالها على ما عرفه العلم من العناية بالشؤون الصحية والتربية النفسية، وتسير في تربيته جسميا وعقليا وخلقيا على ما اكتشفه العلم من القوانين، والأمة الراقية العقل تسير في زراعتها حسبما اكتشفه العلم من دراسة نوع الأرض وما يصلح لها وما لا يصلح، ونوع الزراعة التي تناسبها، والآلات والأدوات الحديثة التي اكتشفها العلم، ونظام الري الذي اهتدى إليه العلم، وهكذا.

والأمم الراقية العقل تسير في تجارتها على ما عرفه العلم من نظريات اقتصادية، ومعرفة بحاصلات البلاد، وكيفية التصدير والتوريد، ونظام الدفاتر في الدخل والخرج، وضبط المعاملات وكيفية استجلاب الزبائن ومعاملتهم.

والأمم الراقية العقل تسير في السياسة على حسب العلم، سواء في ذلك أمورها الداخلية أو الخارجية. فقبل أن تقدم على مشروع تدرسه درسا دقيقا وتعرف نتائجه وكيف تتقي عيوبه وتنتفع بمزاياه. وإذا عرض عليها أمر خارجي درسته وتبينت الغرض منه، وهل نفعه لها أكبر من ضرره أم ضرره أكبر من نفعه، وتسلح الدارسون له بالعلم الواسع بشؤون الدول والاتجاهات السياسية وهكذا. في الأمم الضعيفة العقل يربي الطفل حيثما اتفق، ويزرع حيثما اتفق، ويتاجر حيثما اتفق، وهي تسوس الناس حيثما اتفق. وفي الأمم الراقية كل شيء بالعلم وبالدرس وبالعقل، من أصغر شيء إلى أكبر شيء. وليس فرق بين الأمم الراقية والأمم المنحطة إلا العلم، واستخدامه والخضوع له في الحياة أو عدم ذلك.

ونتائج ذلك واضحة جلية لا تحتاج إلى برهان، فلو أخذت مائة طفل وربيتهم على الأسس العلمية في مأكلهم وملبسهم والعناية بصحتهم وعقلهم وخلقهم، وأخذت مائة طفل أخرى وربيتهم حسبما اتفق في بدنهم وعقلهم وخلقهم، لرأيت النتيجة واضحة كل الوضوح. فنسبة الوفيات في الأولين أقل منها في الآخرين حتما، وصحة الأولين أحسن حتما، وعقلهم أنظف وأرقى، وخلقهم أسمى حتما.

ولو أخذت مائة فدان وأجريت عليها كل ما وصل إليه العلم الحديث من ري وصرف وتغذية وآلات ومواعيد ووقاية، وأخذت مائة فدان أخرى زرعتها حيثما اتفق على النمط القديم، كانت غلة الأولى أضعاف غلة الثانية وأجود.

وهكذا الشأن في تجارة على أساس العلم وتجارة على البركة - وسياسة مبنية على العلم الواسع والعقل المجرب، وسياسة مبنية على الهوى والشهوات وحيثما اتفق - وأسرة تبني حياتها على العلم والعقل، وأسرة تبني حياتها على الأوهام.

تأسيس الحياة على العلم يزيد في صحتها وفي إنتاجها وفي إسعادها، وتأسيس الحياة على الخرافات والأوهام يضعف صحتها ويزيد أمراضها، ويكثر شقاءها ويشل حركتها. ولا شيء أنفع للأمة من العمل على ترقية عقلها حتى يقتل العلم خرافتها وأوهامها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٥١