تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الرأي العام أكبر سلطان في الأمة، ولا يتم إصلاح حقيقي بدونه، وكل إصلاح من غير اعتماد عليه موقوت وعرضة للزوال. وكل نظام وكل تشريع مهما كان صالحا لا ضمان له ما لم يدعم بالرأي العام.

| الرقي العقلي

1

مر على الإنسان دور كان يعتقد فيه أن الأشجار والبحار والأنهار والسماء والأرض مشخصات، لها إرادة ترضى وتغضب وتعطي وتحرم ونحو ذلك - ولا يزال إلى الآن بعض المتوحشين إذا رأوا شجرة كانت تثمر ثم لم تثمر اعتقدوا أنها غاضبة، فاجتهدوا أن يسترضوها، فعلقوا عليها أنواعا من الزينة، وقدموا إليه نوعا من الطعام والشراب حتى ترضى وتثمر.

ويحكون أن أحد الملوك الأقدمين أمر أن يقدم إلى البحر شيء من النبيذ ليسترضيه حتى إذا ركب البحر ركبه في أمان، ولما اعتدى البحر مرة على مراكبه أمر جنوده فجلدوه ثلثمائة جلدة.

وهكذا نجد بقايا هذه العقيدة عند الأمم المتحضرة اليوم، فنجد شجرة من الأشجار يتبرك بها لاعتقادهم قدرتها على النفع والضرر، ونجد «بوابة المتولي» في القاهرة تعلق عليها الخرق والشعور لتمنح البركة لأصحابها، وكذلك نرى عقائد الناس في الخرز و«طاسة الخضة» ونحو ذلك - كل هذا بقايا من عقائد الإنسان الهمجي يوم كان يشخص الأشياء وينسب لها قدرة وإرادة.

كذلك كانوا يعتقدون أن السماء إله من الآلهة؛ تغضب وترضى، وتصادق الإنسان أحيانا وتعاديه أحيانا، فالعواصف الشديدة والمطر الغزير عند عدم الحاجة إليه والرعد والبرق علامة من علامات غضب السماء، وكذلك خسوف الشمس وكسوف القمر، ولذلك يلجئون إلى المعابد يستغفرون مما فعلوا، ويهللون للشمس والقمر حتى يزول الخسوف والكسوف، ويبتهلون إلى السماء أن ترفع عنهم غضبها. وكان عند اليونان والرومان «جوبيتر» «وزيوس» هو إله السماء الذي يغضب ويرضى، ويثيب بالجو الجميل والصحو والهواء العليل، ويعاقب بالرعد والبرق والعواصف.

ومن هذا القبيل الخرافة المصرية المشهورة، وهي أن قدماء المصريين كانوا يقدمون للنيل عروسا كل عام حتى يرضى ويفيض، وإلا غضب ومنع فيضانه.

والناس في الغرب والشرق كانوا يعتقدون في السحر وفي السحرة، وأن لهم قدرة فائقة على إيقاع الشر بالناس وإغراق المراكب في البحار، وتحويل الإنسان إلى كلب أو قرد. وفي سنة 1510 قبض على خمسمائة شخص في جنيف في سويسرا وقتلوا بدعوى أنهم سحرة. ولا يحصى عدد من قتل بأسبانيا في أثناء محاكم التفتيش لاتهامهم بأنهم يسحرون، وكثيرا ما رموهم في البحر ليغرقوهم، فإذا أبدوا مهارة في العوم استدلوا بذلك على أنهم سحرة، وأحيانا كانوا يسيرونهم على حديد محمي، فإذا مهروا في السير عليه قتلوا لأن هذا دليل السحر، وإذا خابوا ماتوا بالنار. وهكذا كانوا يعتقدون أن أكثر أمراض الناس وفساد الزراعة وحوادث الطبيعة من زلازل وبراكين وعواصف كلها من علم السحر أو من غضب الآلهة.

وأخيرا جدا في القرن السادس عشر والسابع عشر أخذ العقل يرتقي، وبدأ يقضي على هذه الخرافات.

فبدأ العلماء - مثلا يؤلفون الكتب الزراعية يبينون فيها أن فساد الزراعة إذا حدث، فإنما يحدث لأسباب طبيعية تتعلق بطبيعة الأرض أو الجو أو الحشرات أو نحو ذلك، وبدءوا لا يخشون البحار ولا يرون فيها جنا ولا عفاريت، وأن حدوث ما يحدث لعوامل طبيعية ينبغي تحديدها والاجتهاد في التغلب عليها، وأن الأمراض لها أسباب معقولة تعالج بالأطباء والعقاقير والعمليات الجراحية. وعلى العموم بدأ الناس يعتقدون أن العالم مسير بقوانين طبيعية سنها خالق الكون، وأن الإنسان يستطيع أن يفهمها، وأن يسخرها لمصلحته إذا هو فهمها وأطاعها بعد أن يكتشفها.

وبدأ الناس يتحررون من الآراء الخرافية، ويبنون حياتهم على العلم وربط السبب بالمسبب. فمعرفة الأرض وطبيعتها والحشرات والأغذية يتصل لا محالة بالمحصول. ومن يوم أن تقدم العلم الزراعي زاد محصول الأرض وتضاعف، والبلاد المتأخرة في العلم لا زالت أرضها لا تنتج ما ينبغي؛ لأنها لا تزال على عقائدها الأولى في التخريف والجهل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٤٩