تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرأي العام الجاهل فاسد التقويم يقوم الرجل بملابسه وبغناه وبمظهره، ويقوم الأشياء بظواهرها. والرأي العام المتنور يحسن تقويم الرجال والأشياء فيقومها بحقيقتها. والرأي العام الجاهل يتنازع على المسائل الحزبية والمسائل التافهة حتى في أحرج الأوقات. والرأي العام المستنير يعرف كيف يدفن خصوماته، وينسى أحقاده عندما يجد الجد مراعاة للمصلحة العامة. هذا الرأي العام شأنه شأن الفرد، فرأي الفرد قد يكون ضعيفا فيقوى، وقد يكون جاهلا فيستنير، وقد يكون مريضا فيصح. هذا هو الطفل آراؤه سطحية فإذا تعلم وجرب ارتقى عقله وصح حكمه على الأشياء.

كذلك الرأي العام الجاهل يمكن ترقيته وإنارته. ووسائل ترقيته أمور: أهمها تعليمه وتثقيفه ومكافحة الأمية عنده؛ لأن الرأي العام هو مجموع رأي الأفراد في الأمة. ومن غير شك رأي الجهلاء أقل شأنا من رأي المتعلمين، ولا شيء أضر على الرأي العام من الجهل. فإذا كان في الأمة نحو ثمانين في المائة لا يقرءون ولا يكتبون كان الرأي العام فيها ضعيفا غير مستنير، يعيش في أفق ضيق ويفهم الأمور فهما سقيما، ولا يستطيع أن يبدي رأيا صالحا في حياته الخاصة فضلا عن الحياة العامة، ولا يتجلى فيه الشعور بالقوة والكرامة؛ لأن العلم هو مبعثهما. الأمي لا يستطيع أن يستنير بكتاب ولا بصحافة ولا يتصل بالأمة وشؤونها إلا من طريق ضيق فاسد كالإشاعات والروايات الكاذبة؛ ولذلك كان من السهل أن يضلل وأن يستهوى وأن يغرر به؛ فإذا أردنا تنوير الرأي العام فلا بد أولا من مكافحة أميته، وليست مكافحة الأمية معناها تعليمه القراءة والكتابة فقط، بل تثقيفه أيضا بالقدر الضروري من الثقافة في الشؤون العامة الصحية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكلما قل الأميون والجاهلون في أمة، صلح الرأي العام.

كذلك من أهم وسائل إصلاح الرأي العام الصحافة من جرائد ومجلات مصورة وغير مصورة، سياسية وغير سياسية، ففي يد الصحافة سلطة كبيرة على الرأي العام وتوجيهه، فهي تستطيع أن تمده بالمبادئ المستقيمة والمعلومات القيمة، وتحسين الحسن وتقبيح القبيح، وتشجيع الخير وتثبيط الشر، كما أنها إذا ساءت أفسدت الرأي العام بما تنشر من مهاترات شخصية أو توسيع الخلافات الحزبية أو تشجيع الظلم أو استغلال الغرائز الجنسية للمصلحة التجارية أو نحو ذلك - فالصحافة السليمة ترقي الرأي العام، والصحافة المنحطة تفسده - ولكن مع الأسف حتى الصحافة الصالحة تصطدم بالأمية؛ لأن الأمية لا تستطيع أن تستفيد من الصحافة؛ ولذلك كان تأثير الصحافة عظيما جدا في الأمم القارئة ضعيفا في الأمم الأمية.

ومن وسائل ترقية الرأي العام الإذاعة؛ ففي يدها إذا صلحت أن تذيع آراء المحاضرين القيمة بلغة سهلة يشترك في فهمها كل الناس، وفي الموضوعات المناسبة للجمهور في الأخلاق والصحافة وكافة شئون الحياة - وهي أقدر على ذلك من الصحافة؛ لأن لكل إنسان أذنا تسمع، ولكن ليس لكل إنسان عين تقرأ. بل هي كذلك ترقي الذوق العام بموسيقاها وأغانيها، ولكن إذا نزلت الإذاعة إلى مجرد ما يعجب الجمهور من غير أن تأخذه بيده وترقى به، أو فهمت رسالتها على أنها شركة تجارية أو هيئة للدعاية أو نحو ذلك لم تحقق الغرض منها. فإن رسالتها الحقة التي يجب أن تكون هي تنوير الرأي العام، وترقية الذوق العام والقيام بما تقوم به مدرسة شعبية لتثقيف أكبر عدد ممكن من الشعب.

كذلك يقوى الرأي العام أو يضعف بكل ما يحيط به من بيئة اجتماعية. فالخطب في المساجد وأقوال الوعاظ والمرشدين تصلح الرأي العام إذا صلحت، وتفسده إذا فسدت. والإدارة التي تحيط بالناس من عمدة ومأمور ومدير وبوليس وقضاء وأداة حكومية، كلها تصلح الرأي العام بمقدار ما تنشره من عدالة، فإذا فسدت أفسدته - كذلك البيئة الاقتصادية، فانتشار الفقر يمرض الرأي العام ويضعفه، والفروق الكبيرة بين الطبقات تجعل سواد الناس متخلقين بأخلاق العبيد. ولا شيء يفسد الرأي العام كوقوعه في أسر الفقر وأسر الرق والذل والعبودية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٤٨