تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن كثيرا من الشبان يعتقدون أن هناك من منحوا قدرة على التفوق من غير جهد، وعلى الإتيان بالعجائب من غير مشقة، وعلى قلب التراب ذهبا بعصا سحرية، ولكن كل هذه أفكار عائقة عن العمل وعن النجاح.

كل من ساروا في طريق العمل بدءوا حياتهم بنوع من الغموض والشك والظلام، ولكن من نجح منهم إنما نجح؛ لأنه بعد أن بدأ حياته أحس أن في يده مصباحا من نفسه يضيء له الطريق ويستحثه على السير، وكلما تقدم إلى الأمام خطوة استحثه عزمه على متابعة الخطى في غير خوف ولا ملل، ومتى أراه مصباحه أنه سائر على هدى وعلى صراط مستقيم لم يتشكك في سيره، ولم يتعجل النجاح، واستمر في طريقه حتى يبلغ الغاية.

وخير وسيلة للنجاح في الحياة أن يكون للشاب مثل أعلى عظيم يطمح إليه وينشده، ويضعه دائما نصب عينيه، ويسعى دائما في الوصول إليه: أن يكون عالما عظيما أو تاجرا عظيما أو صانعا عظيما أو سياسيا عظيما، فمن قنع بالدون لم يصل إلا إلى الدون. ونحن نشاهد في حياتنا العادية أن من عزم أن يسير ميلا واحدا أحس التعب عند الفراغ منه، ولكن من عزم أن يسير خمسة أميال قطع ميلا وميلين وثلاثة من غير تعب؛ لأن غرضه أوسع وهمته المدخرة أكبر.

إنا نشاهد أن كل من رسم لنفسه غرضا يسعى إليه، وأخلص له واستوحاه واجتهد في الوصول إليه نجح في حياته، ولو لم يدرك الغاية كلها أدرك جانبا عظيما منها.

أكبر أسباب فشلنا أننا نخلق لأنفسنا أعذارا وأوهاما وعوائق حتى تكون لنا سدا كبيرا كسد الصين؛ حجارته أحيانا سوء الظن، وأحيانا تخذيل النفس، وأحيانا الشك في النتيجة، وأحيانا الخوف من الفشل، وأحيانا الكسل، إلى غير ذلك من أسباب، ولا تزال هذه الأحجار تتراكم حتى يحجب السور الشمس عن أعيننا، فلا نرى خيرا ولا نرى غاية.

ليس الإنسان إلا بذرة أو نبتة تسعى دائما للخروج إلى الشمس والهواء الطلق، وثمرتها إنما تثمر بحظها من هذين، وبذرة الإنسان يقضى عليها بهذه العوائق التي ذكرنا فلا تثمر.

إن هذا المثل الأعلى الذي يجب أن ينشده الشباب يجب ألا يكون المال وحده لو من طريق التحايل والمكر، واستغلال الآخرين لمصلحته وابتزاز الضعفاء لشخصه، فتلك وسيلة من الوسائل الحقيرة، والنجاح المؤسس على هذا نجاح حقير رخيص؛ إنما النجاح الحق أن يجمع - إلى نجاحه في عمله - نبله في خلقه وصدقه وأمانته في نفسه وعطفه وتسامحه وبره بالضعفاء وذوي الحاجة، فلم يخلق الناس حوله ليكونوا مادة لاستغلاله، إنما خلقوا ليتبادل معهم المنافع والخير العام.

إن مما يؤسف له أن نرى الآن موجة تطغى على الناس أن يقيسوا نجاح الشخص بما حصله من مال؛ فالموظف مقدار نجاحه الدرجة التي نالها، والتاجر ما كسب في تجارته من غير سؤال دقيق عن الوسائل التي استخدمها في حصوله على هذه الدرجة، ووصوله إلى هذا المال، أبالملق والخداع والحيل وقول الزور والبهتان وضياع المبادئ أم بغير ذلك؟ أبالتلاعب في التجارة واستغلال الضعفاء، وانتهاز الفرص أم بغير ذلك؟ إن كان الأول فليس في الحقيق نجاحا، إنما هو نجاح إذا سمينا السارق لا يضبط بجريمته ناجحا. فالحصول على المال والدرجة وحده لا يكفي ما لم نقف طويلا ونتساءل عن الوسائل التي استخدمها في الحصول على غرضه؛ أوسائل شريفة؟ فذلك النجاح، أو وضيعة؟ فلا نجاح. بل إن الشخص إذا رسم مثله الأعلى في النجاح مع الأخلاق، وسار عليها ثم لم يصل إلى غايته ولم يدرك بغيته خير ألف مرة للمجتمع ممن جعل كل غرضه المال مهما تخطى في سبيل ذلك رقاب الناس .

ليس الإنسان حيوانا آكلا شاربا فحسب حتى يقدر نجاحه بمقدار ما يحصل من مال يأكل به أفخم الأكل، ويشرب به أعذب الشراب، إنما الإنسان فوق ذلك إنسان يستمتع بحب الخير، وإدراك جمال الدنيا وجمال الأفعال ويشعر بالسمو.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٤٥