إن الغنى إذا طلب يجب أن يطلب بجانبه غنى النفس، وتسليحها بحب الخير والعمل للخير. وما قيمة أموال تكدس وذهب وأوراق مالية تجمع إذا صحبها فقر النفس؟ إن غنى النفس في حب التسامي وحب الخير وحب الرحمة وحب تقديم الخير والأخذ بيد الضعيف وذوي الحاجة. هذا هو الغنى الدائم، أما غنى المال فغنى بائد.
لست أريد أن أثبط الشباب عن الرغبة في النجاح المادي من رغبة في وظيفة راقية، أو تجارة ناجحة أو عمل يدر الربح، فذلك مطلب مشروع، ويجب أن يكون، ويجب أن يحارب الزهادة في الحياة، والرضا بالدون من العيش، والميل إلى الكسل والخمول، والارتكان على الحظ والقدر. إنما الذي نريد أن نقوله إن ذلك لا يكفي ما لم يدعم بالخلق، ولا يصح مطلقا أن تطغى الرغبة في المال على الرغبة في الخلق والسمو النفسي ومحاسبة النفس على الوسائل التي نحصل بها المال.
ومن أهم الأمور في تكوين حياتك وصنعها ثقتك بنفسك، واعتقادك فيها أنها صالحة للحياة قابلة للنجاح. ولا أضر على الإنسان من احتقاره نفسه واعتقاده عجزه. وبعض الناس مصابون بهذا المرض، يعتقدون في أنفسهم أنهم لا شيء وأن لا قيمة لهم، وأن لا أمل في نجاحهم؛ إما لأنهم ولدوا فقراء؛ وإما لأنهم ليسوا من بيوت كبيرة، وهذا أكبر خطأ يرتكبونه نحو أنفسهم - ومن المسئولين عن هذا خطباء المساجد والوعاظ؛ فإنهم يجتهدون أن يحقر الإنسان من نفسه ويعتقد أنه لا شيء، مع أن الأمة لا تحيا ولا تتقدم إلا إذا وثق أفرادها بأنفسهم. والقرآن نفسه بث روح الثقة بالنفس والاعتزاز بالأمة فقال:
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .
وضعف الثقة بالنفس يقتل طموحها ويقتل استقلالها ويفقدها حياتها. ومن طبيعة الناس أنهم يحتقرون من احتقر نفسه، ويدوسون بأقدامهم من استذل، ومن عادتهم أن يحترموا من احترم نفسه، ويثقوا بمن وثق بها ويعاملوا معاملة الإنسان من تذكر دائما أنه إنسان، غاية الأمر أن الإنسان كثيرا ما يخلط بين الثقة بالنفس واحترامها وبين الكبر والغرور. الثقة بالنفس اعتقادك بقدرتك على ما تتحمله من أعباء وما تلتزمه من واجب، ومعرفتك الصحيحة بنفسك ونواحيها الجيدة، والكبر والغرور تعظيم نفسك أكثر مما تستحق، والمطالبة بالجزاء من غير عمل، وخداع الناس بالمظاهر الكاذبة من غير أن تكون لك قيمة حقيقية.
ثقتك بنفسك واحترامك لها من غير كبر وغرور أحسن تأمين على الحياة ضد الوقوف في المواقف الخسيسة، وضد أعمال النذالة.
بعد أن يكون لك مثل أعلى تنشده وتعمل للوصول إليه، وبعد الثقة بنفسك واحترامها، اجتهد أن تبسم للحياة؛ فالابتسام للحياة خير دواء للعقل وخير علاج لاحتمال المتاعب إن أعيته، والابتسام للحياة يضيئها، فإن رأيت عابسا فلا بد أن يكون هناك من أخطأ في تربيته من آبائه أو مدرسيه. وقد أرتنا التجربة أن الفرحين المستبشرين الباسمين للحياة خير الناس صحة، وأقدرهم على الجد في العمل وأقربهم إلى النجاح وأكثرهم استفادة وسعادة مما في يدهم ولو قليلا. ومن أكبر النعم على الإنسان أن يعتاد النظر إلى الجانب المشرق في الحياة لا الجانب الظلم منها. إن العمل الشاق العسير يخف حمله بالطبع الراضي والنفس الفرحة. قيل لشيخ هرم: إنك في ظل السبعين من السنين، قال: لا، ولكني في الجانب المشمس من الحياة. إن الباسم للحياة يرى الجانب المشمس منها، والمتشائم لا يرى إلا الجانب المظلم، فعود نفسك هذه العادة، وانثر الأزهار باسما على كل من عاملته، ولا تنظر للحياة من خلال نظارة معتمة.
توسيع أفقك وتحديد مثلك عاليا وطموحك أن تكون عظيما، ثم ثقتك بنفسك واحترامك لها في غير كبرياء وغرور، ثم تفاؤلك وابتسامك وسرورك هي الخيوط التي يجب أن تنسج منها حياتك، وما أحسنه من نسيج، إنك إن فعلت كان ذلك خيرا لك ولأمتك، وكان ذلك نجاحا عظيما ولو لم تكسب مالا كثيرا ، فما قيمة المال إذا لم تكن سعادة؟ وما قيمة النجاح إذا لم يكن خلق؟ وما قيمة الدنيا إذا عبست في وجهها دائما؟