تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد منح - إلى عقله الراقي - ذوقا راقيا يدرك الجمال ويسر به وتتفتح نفسه له، يعشق الورد الجميل والبحر الجميل والمنظر الطبيعي الجميل وكل شيء جميل، ويرى أن حاسة الجمال حاسة سادسة من فقدها كان كمن فقد بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، فكان هذا مصدر متعة كبيرة في حياته.

ينظر إلى الدنيا نظرة اطمئنان، لا جازعا على ما فات، ولا شديد التطلع لما هو آت، ولا مزهوا بما كان في يده، يعمل ما استطاع لتحسين حالته، وللخير الذي ينشده، وللرقي الذي يصبو إليه، ولكن إذا بذل كل جهده في اطمئنان، فلا عليه بعد ذلك أن تكون النتيجة ما تكون.

وهو فوق سعة عقله ورقة ذوقه وطمأنينة نفسه قد منح شيئا أهم من ذلك هو سعة قلبه. وسعة القلب معناها قلب يشع بالحب على كل شيء، ويشع كل شيء عليه حبا، فهو كما وصفه ابن المعتز:

قلبي وثاب إلى ذا وذا

ليس يرى شيئا فيأباه

يهيم بالحسن كما ينبغي

ويرحم القبح فيهواه

يحب الجار والصديق والطفل والحيوان، والجنس غير جنسه، والأمة غير أمته، فهو كما يقول الصوفية: «أحبوا الله فأحبوا ما خلق»، حتى الأعداء فهمهم فرحمهم فأحبهم.

في هذا القلب الواسع مكان لكل رأي ولو خالف رأيه، ولكل نظرة ولو خالفت نظرته، وفيه مكان للغد كما فيه مكان لليوم، ولكن ليس فيه مكان للخوف؛ فهو مميت كالسم، وليس فيه مكان للشك فهو مظلم كالليل.

ضيق القلب يستوجب الحرب، وسعة القلب تستوجب السلم.

ضيق القلب يستنزف الدموع وسعة القلب تجففها.

إن ثري الحرب وأمثاله من الأثرياء ممن منحوا مالا ولم يمنحوا عقلا ولا ذوقا ولا قلبا، يعيشون في أكواخ من أنفسهم ولو سكنوا في أفخم القصور، ويعيشون في ظلمة من قلوبهم ولو أضيئت مساكنهم بأقوى الأضواء.

فقيراط من رقي عقل ورقة ذوق وسعة قلب، خير من فدان من ثراء الحرب.

| اصنع حياتك

كل إنسان في هذه الحياة قادر - إلى حد ما - أن يصنع حياته؛ فقيرة أو غنية، خصبة أو مجدبة، سعيدة أو شقية، باسمة أو عابسة ... نعم إن للوراثة والبيئة دخلا في تحديد حياته، فهو - إلى درجة كبيرة - ذكي أو غني بالوراثة، قوي الأعصاب أو ضعيفها بالوراثة، وهو ناشئ في وسط فقير أو غني بالبيئة، معتاد عادات حسنة أو سيئة بالبيئة وهكذا، ولكن إرادة الإنسان وعزمه وهمته وتربيته نفسه قادرة قدرة كبيرة على التغلب على عقبات الوراثة والبيئة. نعم إنك لا تقدر أن تكون في الذكاء قوة مائة إذا خلقت وذكاؤك قوة عشرين، ولكنك قادر أن تستعمل ذكاءك المحدود خير استعمال حتى يفيد فائدة أكثر ممن ذكاؤه مائة إذا أهمل، كمصباح الكهرباء إذا نظف، وكانت قوته عشرين شمعة كان خيرا من مصباح قوته خمسون إذا علته الأتربة وأهمل شأنه؛ ونعم إنك لا تقدر أن تساير أبناء الأغنياء في ملبسهم ومأكلهم ومركبهم، ولكنك تستطيع أن تعيش عيشة نظيفة وصحية بدخلك القليل حتى تفوق الغني في مظهره البراق إذا لم يسر على قوانين العقل والصحة، وهكذا.

إذن فالوراثة والبيئة لا تعوقان الإنسان عن إسعاد حياته إذا منح الهمة وقوة الإرادة والتفكير الصحيح، ومجال القول في ذلك فسيح، ولكني أقتصر هنا على بعض هذه المبادئ.

أول نصيحة لك ألا تيأس، وأن تتوقع الخير في مستقبلك، ولا تقطب وجهك زاعما أن الخير منحه غيرك وليس منه نصيب، ووسع أفقك واعتقد أن العناية الإلهية لن تحرمك الخير في مستقبلك، فاعتقادك أن لا مستقبل لك ولا أمل في حياتك، وأن لا خير ينتظرك سم قاتل يضني الإنسان حتى يميته - وعلى العكس من ذلك توقعه الخير وأمله في الحياة يوسع أفقه، ويحمله على أن يوسع معارفه في الحياة، وعلى الجد فيما اختاره لنفسه من صنوف العيش، وعلى استعمال المادة التي في يده خير استعمال.

لا تتعلل بأنك لست نابغة، ولا أن الظروف لا تواتيك ونحو ذلك؛ فالعالم لا يحتاج إلى النوابغ وحدهم، والنجاح ليس مقصورا على النابغين وحدهم، وبذرة الجوافة ليس من حقها أن تطمح في أن تكون شجرة مانجو أو شجرة تفاح، ولكن ما ضرها أن تكون شجرة جوافة حلوة لذيذة، والحياة تتطلب الجوافة كما تتطلب المانجو والتفاح؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٤٤