تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن العالم لا يرقى إلا برقي الأمم، والأمم لا ترقى إلا بسلوك نفس الطريق الذي سلكه الفرد. لقد كان الفرد منحطا يوم كان طماعا منافقا أنانيا ماديا، ولم يرتق من الأفراد إلا من استطاع محاربة الطمع والنفاق والأنانية، فصار سمحا صريحا مؤثرا مضحيا واسع النظر واسع القلب. فكذلك الأمم لا ترقى إلا عن هذا الطريق وعندئذ فقط يولد العالم الجديد.

إن الذي يعوق ولادة هذا العالم الجديد الزعماء الذين بيدهم زمام الأمور، وقد يبست عقولهم من طول إلفها للأنماط القديمة. ولكن العالم لا تقف أمامه الحواجز، فهو يسير رغما عنهم، بل ويكتسحهم، والمستقبل للعقول المرنة التي تدرك سير الزمن فتؤقلم نفسها وفقا لمقتضياته.

ليست هذه الحرب إلا إنذارا بأن العالم القديم لم يعد صالحا، فإن أدرك الزعماء سر إشارته، وإلا فسيكرر الإنذار تلو الإنذار، وكل إنذار يكون أشد مما قبله حتى يعمل الناس بإشارة الزمان، ويعتنقوا العقلية الجديدة التي غايتها وحدة العالم في كل مرافقه والنظرة العالمية لا النظرة القومية.

| أغنى الناس ...

أما في نظر مصلحة الضرائب وعند الصرافين، وفي حساب البنوك فأغنى الناس أكبرهم رصيدا، وأكثرهم دخلا وأعظمهم «ورد مال».

ومن أجل هذا يعد أثرياء الحرب من أغنى الناس؛ فهذا مورد بضائع للمراكب كسب مئات الآلاف، وهذا متعهد أنفار أصبحت ثروته تعد بالأرقام الأربعة أو الخمسة، وهذا يقدم للجيش بعض المؤن وأنواع الأغذية قفز دفعة واحدة من فقر مدقع إلى ثراء واسع.

فهؤلاء جميعا وأمثالهم يعدون من أغنياء الناس في نظر الإحصاء، وفي نظر علماء الاقتصاد وفي نظر من يعولون على الدفاتر والسجلات.

ولكن بجانب هؤلاء العدادين قوم آخرون يسمون الأخلاقيين أو الفلاسفة، لا يقدرون المال بعدده ولكن بقيمته، ولا يقدرونه بالقدرة على الشراء ولكن بقدرته على الإسعاد، ولا يقدرونه بالرصيد ولكن بمقدار الانتفاع به، فقد تكون ألف جنيه في يد رجل مصدر شقائه، وعشرة جنيهات في يد رجل آخر مصدر سعادته، فهم يعدون الثاني ذا العشرة أغنى من الأول ذي الألف.

وقد يعد بعض الناس هؤلاء الأخلاقيين أو الفلاسفة طائفة من الخيالين أو المغفلين، ولكن - مع الأسف - نظرتهم هي الصادقة، على الأقل في نظري.

فكم من ثري حرب تدفق المال على يديه من غير حساب، وضعف عقله من غير حساب أيضا، فكان المال في يده ليس إلا وسيلة لأن يلهو من غير قيد ولا شرط، ويسرف في الخمر والنساء والقمار؟ فيفقد أسرته وأولاده ونفسه وصحته، ويكسب شهوة وقتية سريعة الزوال، وهذا هو كل نتيجة الثروة، أو أن يشيد قصرا فخما ويزينه بالأثاث الفاخر والخدم والحشم، ويتزوج زوجة جديدة مناسبة للقصر الجديد، ويقيم الولائم تزخر بالمأكول والمشروب، ولكن كل هذا طلاء ظاهر، ولا ذوق يتذوق جمال القصر وأثاثه، ولا عقل يستمتع بهذا النعيم، وإنما هو مظهر ورياء ونعيم كنعيم البهيم، ولذة كنار الهشيم، تشتعل سريعا وتنطفئ سريعا؛ وآخر من أثرياء الحرب رأى المال يتكاثر عليه فجن به جنونه، ونما عنده الحرص والطمع إلى درجة الشره، وانقلب المال في نظره من وسيلة للسعادة إلى مقصد يطلب لذاته. فأصبحت حياته كلها موجهة إلى جمع المال وادخاره وكنزه، فعاش في الواقع هو وأهله أفقر مما كانوا قبل أن يغتني، ولم يزد عليه إلا أعباء المال الثقيلة والتفكير العنيف في كيفية استغلاله والمحافظة عليه. وغير هؤلاء أشكال وألوان كلهم في الشقاء سواء.

من أجل هذا جاء هؤلاء الأخلاقيون والفلاسفة (المغفلون!) وقوموا المال تقويما آخر بمعناه لا بعدده، وبكيفيته لا بكميته، وهؤلاء إذا سألتهم عن أغنى الناس أجابوا إجابة أخرى تختلف عن الإجابة الأولى كل الاختلاف. قالوا: أغنى الناس من منح الصحة في جسمه وعقله ونفسه - واستطاع أن يكون حوله أسرة يسعد بها وتسعد به، ويعرف كيف يسعد في أسرته إذا نال الضروري من المال أو تدفق عليه المال، عنده من المرونة ما يستطيع بها أن يكيف نفسه حسب ظروفه المحيطة به، لا يغرقه الحزن فيختنق منه، ولا يطغيه السرور فينسى ما يجب عليه، ذو عقل مثقف يجد اللذة في المعاني كما يجد اللذة في المادة، يرى من ضرورات الحياة أن يكون في بيته مكتبة لغذاء عقله وعقل أسرته كما في بيته «مطبخ» لتغذية معدته وعدة أسرته، فإن حرم الكتاب كان كمن حرم الطعام، له وجبة عقلية كما له وجبة غذائية؛ لذلك لا يستوحش من الوحدة إذا كانت ؛ لأن بين يديه عقولا كثيرة تحدثه، ولا يسأم من الجمعية إذا كانت؛ لأن عقله يجد فيها مادة لتفكيره وغذائه. عقله الواسع ونفسه الواسعة يوسعان عليه دنياه فلا يشعر بضيق كالذي يشعر به من قصر نفسه على اللذائذ المادية؛ لأن اللذائذ المادية قصيرة الوقت داعية السأم والملل؛ لقلة تنوعها وزهادة للنفس منها إذا أفرط فيها كما تزهد الحلوى إذا كثر سكرها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٤٣