تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي نظير ماذا هذا الذي حدث؟

الإجابة عن هذا السؤال كالسؤال الذي يسأل: لم كانت هذه الحرب العالمية؟ وأي شيء كسبناه منها؟ وهل شيء كائنا ما كان يساوي الأرواح التي أزهقت والخراب الذي حدث؟ أمن أجل حفنة من الموظفين الفرنسيين في سوريا وسلع فرنسية تباع فيها، ومظهر نفوذ كاذبة تضاع حرية أمة وتسفك الدماء ويخرب البناء، وتنطوي النفوس على الحزازات؟

كل هذه المظاهر وأمثالها مظاهر عقلية قديمة لا تصلح لبناء العالم الجديد. والمصيبة العظمى أن الغرائز البدائية تتكلم ويسمع لها، والعقل لا يتكلم ولا يسمع له!

إن العالم الجديد يريد عقلية على غير هذا الطراز البالي. إن عقلية الفرد ارتقت ولكن عقلية الأمم لا تزال بدائية. كانت عقلية الفرد أنانية فما زالت ترقى حتى رأيناها في أسمى صورها عند بذلها النفس في الخدمة الاجتماعية، والتضحية العامة للأمة والإنسانية، فرأينا الفرد يضحي بنفسه لأسرته ولأمته، ورأينا الفرد يضحي بنفسه للإصلاح الاجتماعي، وللحقيقة يتعشقها، وللبحث عما يخفف آلام الإنسانية ونحو ذلك. هذا كله في عقلية الفرد، أما عقلية الأمم فلم ترتق هذا الارتقاء، بل لا تزال في طور الأنانية كما كان الفرد قديما، فالأمم تحارب دفاعا عن نفسها أو للاستيلاء على غيرها، وتنظر إلى أحداث العالم من حيث نتيجتها في نفسها لا من حيث الحق ولا من حيث العدل ولا من حيث المصلحة الإنسانية العامة، وكل هذه المعاني الأنانية تبلورت فيما يسمى الوطنية، ومصداق ذلك الحروب كلها. فأسبابها إما دفاع الأمة عن كيانها أو رغبتها في توسيع ملكها، وهذه أنانية كأنانية الفرد البدائي في دفاعه عن نفسه وهجومه لجر مغنم لشخصه. أما حرب تقوم انتصارا لضعيف اعتدي عليه أو لحق أهين أو لتحقيق عدالة إنسانية فهذا ما لم نره من الأمم بعد، وهذه هي العقلية الجديدة التي ننشدها في العالم الجديد.

نريد في العالم الجديد عقلية للأمم تشبه عقلية الفرد الراقي، والفرد المضحي، والفرد الذي يعشق الحق ويبذل نفسه دفاعا عنه.

هذه العقلية الجديدة يكون أساسها عند الأمم الخدمة الاجتماعية والتضحية والنظرة الواسعة، هي عقلية تقيس الأمور بالحق العام والعدل الواسع، إذا نظرت إلى الشئون الاقتصادية نظرت إليها نظرة عالمية؛ فالتجارة حرة، والأسواق حرة، والصناعة حرة، وليس يحكمها إلا قانون تنازع البقاء وبقاء الأصلح. أما أن تنظر الأمة إلى نفسها تريد أن تربح هي ويخسر كل الناس فعقلية قديمة كعقلية الفرد يريد أن يغتني الغنى المفرط ولو كان غيره في فقر مدقع. كذلك الشأن في الشؤون السياسية، فالعقلية الجديدة تقول: إذا ظلمت سوريا أو ظلمت مصر أو ظلمت العراق، تحركت الأمم القوية تطالب بالعدالة وتنصر الضعيف المظلوم، وتقتص من القوي الظالم، فلا عبرة عندها بقوة ولا ضعف، إنما العبرة عندها بالحق والحق وحده، شأنها في ذلك شأن القاضي العادل لا يعبأ بفقر الخصم وغناه وجاهه وعدم جاهه، إنما يعبأ بالحق يقضي به. في العقلية القديمة يكون نظر كل أمة إلى نفسها فقط؛ ولذلك ترى العالم قلقا مضطربا مملوءا بالنشاز، والعقلية الجديدة التي نريدها عقلية يكون النظر فيها إلى العالم ككل، ونتيجة ذلك الانسجام بين أجزاء العالم ونغماته، فلا نسمع فيه نشازا، وإن كان قضي عليه في الحال؛ فالانسجام في الأسواق وفي العمل وفي الزراعة والصناعة والسياسة وكل مرفق من مرافق الحياة. العقلية القديمة صيد في الماء العكر، والعقلية المنشودة تعاون في الإنتاج المشروع واستخدام العلم في تحصيل الخير للناس جميعا.

إن شرور هذه الحرب وويلاتها التي لا حصر لها نتيجة هذه العقلية البالية، وستبقى تنتج هذه الشرور وأضعاف أضعاف ما لم تتغير. إنها عقلية لا روح لها ولا قلب، تستبعد الضعيف وتعبد القوة والمال.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٤٢