ولما فرغا من منح الألقاب طلب كل منهما من صاحبه أن يلقبه، فلقب إبراهيم أفندي طاهر «بالشاب الظريف»، وعبد الحميد بك نافع «بالصاحب بن عباد» وهكذا ملآ مصر بعلمهما هذا مرحا وضحكا أيام كان الضحك رخيصا.
1
| العالم الجديد
ظللنا طول أيام الحرب ننعم بالأحلام اللذيذة لعالم جديد تسود فيه العدالة الاجتماعية في كل أمة مهما صغرت، وكان يؤيد هذه الأحلام تقرير ميثاق الأطلنطي، والنداء بالحريات الأربع، والقول: بوجوب تأسيس نظام العالم على أساس خير من عصبة الأمم ... إلخ.
وكان من الناس في الشرق المتشائم الذي يرى أن مصير هذه النداءات كمصير عصبة الأمم في الحرب الماضية، والمتفائل الذي يرى أن العالم لقي من الكوارث ما لم يره من قبل، وتعلم درسا لم يتعلمه من قبل، فيستنفع به حتما في بناء عالم جديد أساسه العدالة والحرية والحق.
وها هو السلم قد أعلن وأخذ المتشائمون يفخرون بصدق رأيهم وبعد نظرهم؛ فها هي الأمم الصغيرة لا تسمع صوت العدالة يتردد كما كانت تسمعه من قبل، والدول الكبيرة تريد الاستئثار قي الحاضر والمستقبل كما استأثرت في الماضي.
وصح ما كان يقوله العارفون من أن مشاكل السلم أعقد من مشاكل الحرب، وبدأنا نسمع من جديد كلمات جديدة ذات معان قديمة من «وصاية» و«حضانة»، ونسمع أن هناك أمما لا تستطيع السير بنفسها وحمل عبئها والاشتراك في بناء المدنية، فيجب أن يأخذ بيدها من يرشدها إلى الطريق ... إلخ إلخ. •••
الحق أن المشاكل لا تحل، والعالم لا يهدأ، حتى تتغير عقلية الشعوب الكبيرة وعلى الأخص قادتها؛ فالفرد لم يرق إلا يوم تعلم أن الأنانية مفسدة له وأن سعادته مرتبطة بالإيثار، وعلى هذا الإيثار تأسست الأسرة السعيدة والأمة السعيدة. وما يفسد العالم والأمة هو الأنانية في ثوب الوطنية، ونظرة الأمم الكبيرة بعضها إلى بعض، ونظرة الأمم الكبيرة إلى الأمم الصغيرة نظرة ملؤها الأنانية، فهي تريد أن تسود وأن تتحكم وأن تعلو.
وهذا هو أساس الفساد، ولا يصلح هذا الفساد إلا أن يسود القادة شعور بالجمعية البشرية كلها لا بأمتهم وحدها، وأن العدالة حق لغيرهم كما هي حق لهم، وأن العالم وحدة أجزاؤه أفراد أسرة، وأن كل خلاف يحل على هذا الأساس لا على أساس المصلحة الذاتية للأمم، وأن الأمم الكبيرة والصغيرة مسألة عدد وقوة ومساحات. أما في الحقوق والواجبات فلا صغير ولا كبير ولا شرق ولا غرب ولا أسود ولا أبيض، وبدون هذا تبقى الحرب، وتبقى المشاكل، ويبقى اضطراب العالم.
ليس لفشل عصبة الأمم من سبب إلا هذه الأنانية، ونظر بعض الأمم الكبيرة لنفسها فقط دون غيرها، ومحاولة قادتها الفوز باسم الوطنية.
وليس للحروب المتتابعة من علة إلا التسابق في سبيل السيادة والملكية، والغنم في الأسواق الاقتصادية، والنظر إلى الأمور نظرة الأسود الكواسر إلى فريسة تقتنص، وغنيمة تنتهب، مع الأنانية الجشعة، والطمع في الخير العاجل.
خذ - مثلا - حوادث سوريا الدامية: ما أساسها؟ أساسها أن الجنرال ديجول ورجاله يريدون أن يحتفظوا بمركزهم القديم في سوريا ولبنان، ويقدموا لقومهم عملا عظيما هو أنهم استطاعوا رغم هزيمتهم في الحرب العالمية أن يستعيدوا مجدهم في هذه البلاد. وهي نعرة صحيحة إذا قيست بمقياس الوطنية الضيقة الأفق، وهي مثل النظرات الضيقة التي سببت الحروب بين الأمم. ولكن انظر إلى الأمر في أفق واسع: لماذا لا يكون للسوريين واللبنانيين حرية كالحرية التي لفرنسا؟ لماذا لا ينعمون أو يشقون في بلادهم وأرضهم وعلى يد رجالهم كما يود الفرنسيون ذلك في بلادهم؟ وإذا كانت الوطنية فضيلة للفرنسي فلم لا تكون فضيلة للسوري واللبناني؟ لا فرق إلا أن الفرنسي عنده مدافع ليست للسوري. أفهذا مبرر صحيح لعالم يريد أن يؤسس أموره على العدالة؟ أليس هذا رجوعا إلى تحكيم القوة، ومعنى ذلك الحرب المستمرة؟ إن كان ذلك فلم يخدعوننا في أيام الحرب بما لا ينفذون في أيام السلم؟ أليس مآل هذا أن الشعوب في الأزمات المستقبلة لا تصدق ما يقال، ولا تخدع بما يقال، وتكون حرة بعد في تصرفاتها؟