وهي مهمة ليست باليسيرة، فلكل اسم وحيه ودلالته، ولا بد أن يتفق وحي اللقب مع الملقب به اتفاقا بارعا يقابله الجمهور بالضحك والاستحسان؛ فبعض الأسماء لو سمي به كناس كان مناسبا، ولكن لو سمي به أديب أو شاعر أو وزير لم يكن منسجما، وهكذا ... وبعض الأسماء يوحي بالظرف، وبعضها يوحي بالثقل، وبعضها يوحي بالذكاء، وبعضها يوحي بالغباء، وهكذا.
وأثار عملهما هذا ضجة في الأوساط الأدبية، فأشاع فيها الضحك والمرح حينا، والغضب والخصومة حينا، فكانت معركة حامية لطيفة. ونحن نذكر بعض ألقابهما:
كان في القاهرة «علي أغا الترجمان»، وكان عينا من الأعيان، فيه جلال ووقار، بعمامة نظيفة وشيبة ظريفة فسمياه «القاضي الفاضل».
وكان «عبد الله باشا فكري» أديبا ظريفا، رقيق اللفظ، عذب العبارة، سهلا في طباعه، يرسل الحديث على سجيته، والنكتة على فطرته، فسمياه «ابن سهل».
وكان له صديق اسمه «عبد الغني بك فكري» ضخم كبير الرأس، فسمياه «الأخطل». وعرض عليهما «محمود صفوت الساعاتي» الشاعر المشهور، وكان نحيفا قصيرا كثير اللفتات والحركات فسمياه «ديك الجن». وقد غاظه هذا اللقب لما شاع في الناس، وعمل قصائد هجاء في إبراهيم أفندي طاهر.
وكان الشيخ إبراهيم الدسوقي، الأديب المصحح في مطبعة بولاق، طويل القامة، قوي البنية، كبير الهامة، كثير الفكاهة، حلو السمر، يجلس عند الباب الأخضر لسيدنا الحسين ويسمر مع أصحابه، وله ضحكة عالية تسمع من آخر الشارع، فسمياه «مهيار الديلمي». والشيخ «محمد قطة العدوي»، أحد علماء الأزهر، وكبير مصححي المطبعة الأميرية، كان إذا درس تمايل يمينا وشمالا، فإذا قال بيت شعر مال يمينا عند المصراع الأول، ويسارا عند المصراع الثاني، فسمياه «أبو شادوف».
والسيد علي أبو النصر، والشيخ علي الليثي كانا نديمي الخديو إسماعيل، وكانا معروفين بالظرف والتنادر. وكان أبو النصر طويلا جدا، فسمياه «ابن العماد»، وسميا الشيخ علي الليثي «أبو دلامة» إذ كان فكها مضحكا، كما كان أبو دلامة للرشيد. وكان إبراهيم بك مرزوق أبي النفس شجاعا جريئا في قول الحق حتى نفي إلى الخرطوم ومات بها، وكان شاعرا قويا، فسمياه «أبا فراس».
ومحمود سامي البارودي، كان أيام هذه التسمية جميل المنظر، لطيف القد فسمياه «ابن رشيق».
ومحمد عثمان جلال الزجال كان أديبا ماجنا يملأ القاهرة فكاهة، فسمياه «الخليع البغدادي».
والسيد صالح بك مجدي كان شاعرا، وكان لونه يميل إلى السواد، وفي عينه بعض حول فسمياه «الأحوص».
وإسماعيل أفندي الخربتاوي كان نحيف الجسم جدا من أكل الأفيون، وانحنت قامته وتقرنص، فسمياه «ابن قرناص».
والشيخ عثمان مدوخ صاحب التوشيحات والأزجال كان يمشي كأنه يتدحرج فسمياه «دعبل». والشيخ حسين المرصفي، كان كفيفا نحيفا يتهم بالزندقة، فلقباه «أبا العلاء المعري». ونسيبه الشيخ زين المرصفي كان قليل الكلام فسمياه «ابن السكيت».
ومصطفى كامل أفندي معلم اللغات الشرقية بخان الخليلي، كان قصير القامة، قصير الرجلين بهما اعوجاج فسمياه «العكوك».
والشيخ عبد الهادي الأبياري، كان يداخل الأغنياء ويحب الظهور ويتكلم دائما بنون التعظيم فيقول: قلنا وفعلنا ويضخم العين في نطقه، وأخيرا ولي القضاء في بلدته «برمة» وما حولها، وقد اشتهرت برمة بتفريخ الدجاج فسمياه «قاضي الدجاج».
ومحمد شرارة أفندي كان ينطق بالصاد فيها صفير، فقالا عليه: إنه أفصح من نطق بالصاد وسمياه «أبا الشيص».
وكان للشيخ محمد بخاتي لحية صفراء كبيرة قليلة العرض من بدايتها آخذة في العرض شيئا فشيئا إلى نهايتها، فسمياه «ابن مكانس».
وكان السيد أحمد الرشيدي إمام المعية أبيض اللون له هيبة ووقار غزير شعر الشارب كثيف اللحية يلبس فرجية واسعة؛ فسمياه «هرقل» ... إلخ ... إلخ.