تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حار خير الدين طويلا بين الرأيين هو ووزراؤه وسلطانه، أخيرا كان من رأيه أن يطأطئ الرأس قليلا أمام العاصفة، ويشير على السلطان بخلع إسماعيل، ولكن يجب أن يعمل شيئا آخر مع هذا، وهو أن يتلافى الأسباب التي جرت إلى هذا التدخل الأجنبي، فيسلب بعض الحقوق التي أعطيت لخديو مصر، كالاستدانة وعقد المعاهدات مع الدول الأجنبية، فينتهز فرصة عزل إسماعيل لتعديل فرمان مصر. ولكن أبت إنجلترا وفرنسا ذلك؛ لأن هذا يزيد في تبعية مصر للدولة العثمانية، ومن مصلحتهما أن تكون حقوق مصر أوسع وسلطتها أكبر للأيلولة المنتظرة.

وصدر الأمر بعزل إسماعيل، وكثر الأخذ والرد في مسألة تعديل الفرمان حتى خرج خير الدين من الوزارة، فأجابت الوزارة التي وليتها مطالب الدول في إصدار الفرمان المعتاد مع بعض التعديلات. •••

ثمانية أشهر قضاها رئيس وزارة كانت أعباؤها تساوي ثمانين عاما. ولولا ما عهد إليه من حل المشاكل ما بقي هذه الأشهر الثمانية، ففيه من الصفات ما لا يتفق ومزاج السلطان عبد الحميد؛ فهو حر الفكر، واسع النظر، متحمس في تحقيق الإصلاح ، مرهف الحس في العدالة وما يتعلق بها، يرى أنه وقد عين رئيسا للوزراء يجب أن يتحمل المسئولية، فيصرف الأمور كما يرى هو وزملاؤه ليتحمل نتائج رأيه؛ فأما أن يأمره السلطان ويتحمل هو المسئولية فليس حقا ولا عدلا. السلطان يريده عبدا مأمورا، وهو يريد نفسه حرا مسئولا؛ لهذا نفر منه السلطان كما نفر منه الباي من قبل.

وتألب عليه أيضا رجال الدين؛ إذ كره منهم ضيق عقلهم وتعرضهم لما ليس من شأنهم، وتدخلهم في أمور من السياسة لا يحسنونها، وكرهوا هم منه الوقوف أمامهم وضغطه عليهم.

لكل هذه عزل خير الدين بعد ثمانية أشهر في قسوة، وما كان أقرب المأتم من العرس، وأدرك عبد الحميد أن قد خابت فراسته فيه، وظل بعد ذلك نحو عشر سنين في مقاعد النظارة لا يمثل على المسرح شيئا. وكل ما يرى مآس لا ملهاة فيها.

ومات وهو في الأستانة في سنة (1889م / 1307ه) عن نحو سبعين عاما ودفن في جامع أيوب، وخلف تاريخا في الإصلاح حافلا، وكفاحا للفساد طويلا، وذنبه أنه لم يجد مواتيا من الشعب ولا مؤازرا من السلطان.

لقد كان مصلحا اجتماعيا وسياسيا من جنس مدحت باشا، غير أن الفرق بينهما كالفرق بين السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده؛ فمدحت يصلح، فإن عجز عن الإصلاح ثار ودبر الانقلاب، وخير الدين يصلح فإن عجز عن الإصلاح رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني قد بلغت».

وكانت فضائله التي تكون شخصيته: الجرأة في قول الحق وعمله من غير خوف، وصلابته فيما يعتقده من غير انحناء، وحريته في تفكيره من غير جمود، وقوة كاهله على حمل الأعباء من غير تبرم. فرحمه الله.

| لون من ألوان الفكاهة المصرية

امتاز المصريون بالفكاهة الحلوة يتفننون في صنعها، ويتذوقونها ويحتفلون بها. لماذا؟ لا أدري!

كما لا أدري لماذا كانت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب أحسن الناس غناء دون ملايين المصريين.

ولماذا كانت القاهرة أقدر على هذا الفن من غيرها من مدن الشرق كله؟ لا أدري أيضا. وليست المسألة مسألة تقدم في المدنية والحضارة، فهناك في المدن الغربية ما يفوق مدينة القاهرة مدنية، ولكن لا يجاريها في النكتة. وفي العالم مدن صغيرة فاقت في ذلك المدن الكبيرة كما فاقت مدينة رشيد الصغيرة في ذلك مدينة طنطا الكبيرة.

والفكاهة أشكال وألوان؛ فهناك السخرية بالفكرة، والسخرية بالأشخاص، والتنكيت عن طريق التورية بالألفاظ ... إلخ ... إلخ.

ولوننا الذي نعرضه اليوم لون طريف، له تاريخ لطيف.

فقد حدث في القرن الماضي من سنة (1857) إلى سنة (1863) أن كان في القاهرة شابان موسران من أسرتين كبيرتين يعيشان عيشة بوهيمية، وهما - إلى استهتارهما ومرحهما وإفراطهما في الشراب - أديبان ظريفان، يقرآن الكثير من كتب الأدب، ويعرفان الشعراء معرفة دقيقة، ويتخيران الشعر الجيد يحفظانه ويرويانه، ولهما مجلس ظريف فيه الشراب وفيه الشعر وفيه الفكاهة، هما إبراهيم أفندي طاهر، وعبد الحميد بك نافع. فكان مما خطر لهما أن يستعرضا الأدباء والعلماء في عصرهما، ويخلعا على كل واحد منهما لقبا من ألقاب الأدباء القدماء يناسبه ويلبسه وينسجم معه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٣٩