عنب وخمر في الإناء وشارب
فمن الملوم: أعاصر أم حاسي؟
وصل إلى الأستانة، فوجد في انتظاره سليمان باشا مندوب السلطان عبد الحميد، وحمدي باشا كبير الأمناء، وعلي فؤاد بك السكرتير الأولى للسلطان، وتوجه إلى قصر يلدز وقيد اسمه، فدعي للمقابلة في نفس المساء، وتحدث معه السلطان طويلا، واستبقاه للعشاء معه ليكتنه كنهه ويزنه بموازينه.
وأمر السلطان فأعد له جناح في قصر من قصوره الكبيرة، وأرسل سليمان باشا إلى تونس ليعود بأسرة خير الدين.
وسرعان ما عين وزير دولة؛ فكان يدعى لحضور مجلس الوزراء عندما يجتمع لبحث المسائل الخطيرة، ولم يمض شهر حتى سمع من كبير الوزراء أن السلطان يرشحه لوزارة العدل، فرجا منه ورجا من كل من توسم فيه الجاه أن يسعى لعدم إتمام ذلك، فلم يفد شيئا، فذهب لمقابلة السلطان نفسه وتوسل إليه أن يعفيه من ذلك، فقبل رجاءه وأعفاه.
وكانت أكبر حجة له في الاعتذار أنه لا يستطيع خدمة البلاد - وخاصة عن طريق الوزارة - إلا إذا عاش فيها زمنا طويلا عرف أهلها ودرس شؤونها، وتعرف كنه أمورها ووجوه الإصلاح فيها.
هذا ما كان يقوله. وأما ما يبطنه فهو أنه يرى أيضا أن الدولة العثمانية أصبحت من المرض، بحيث لا يرجى لها علاج في وضعها الحاضر؛ ثم هو دائم الحنين لتونس، إذ صارت وطنه يأنس بها ويستوحش من فراقها، ويفضل أن يكون فردا آمنا فيها على وزير في غيرها.
هذا الذي كان يعتذر في إلحاح عن الوزارة يدعى إلى يلدز في الصباح المبكر يوم 4 ديسمبر سنة (1878م / 1295ه) ويقابل السلطان فيخبره أنه عين رئيسا للوزارة، ولما أراد أن يعتذر أبلغه أنه أمضى المرسوم ولم يعد في الإمكان إلغاؤه بحال. هذا خير الدين ينصب في أيام تواجه فيها الدولة العثمانية شدائد من أخطر الأمور وأشدها تعقيدا وارتباكا.
فتركيا في حرب مع الروس ومنهزمة أمامهم، وجيوش الروس تتقدم وتهدد العاصمة نفسها. والأسطول البريطاني في مياه البسفور، وحالة البلاد الداخلية من مالية واقتصادية ونفسية من أسوأ الحالات، حتى كان أصحاب المخابز يفضلون إغلاق مخابزهم على التعامل بنقود متدهورة تكاد تكون عديمة القيمة، و380000 مهاجر لا مورد لهم ولا معين، يزحفون على العاصمة، ومعاهدة سان ستيفانو التي عقدت في برلين سنة (1878) كانت طويلة الذيول تتطلب عقد معاهدة بين تركيا وروسيا في الأمور الخاصة بهما. وأبى الروس الجلاء عن أراضي الدولة العثمانية حتى تتم المعاهدة. وأبى الإنجليز سحب أسطولهم حتى تجلو الجيوش الروسية، ومشكلة قبرص معلقة، والحالة مرتبكة مع النمسا لاحتلالها البوسنة، ومشكلة الأرمن قائمة. في هذا الأتون المستعر وضع خير الدين ليطفئ النار، وأي قدرة تستطيع إطفاءها من غير حرائق؟! لقد كانت سياسته «إنقاذ ما يمكن إنقاذه».
فبذل كل ما يستطيع من رأي وجهد حتى كان الاتفاق مع روسيا، ووضعت ضمانات تكفل مصالح المسلمين في بلغاريا ورومللي الشرقي، وخفضت التعويضات الحربية تخفيضا كبيرا وانسحبت الجيوش الروسية إلى بلغاريا ورومللي، كما انسحب الأسطول البريطاني من بحر مرمرة، وسوي الخلاف بين تركيا النمسا بما حفظ لتركيا كثيرا من حقوقها. وحلت المشكلة التي استعصت على الحل نحو عشر سنوات ... إلخ إلخ، وبسياسته حقا أنقذه ما يمكن إنقاذه.
وفي أيام وزارته هذه كانت مشكلة مصر الكبرى في آخر عهد الخديو إسماعيل، فإنه لما اضطربت الحالة المالية والسياسية في مصر عزمت إنجلترا وفرنسا على التدخل في شؤونها تدخلا آخر جديدا، فأرسلتا إلى قنصليهما في مصر؛ ليطلبا من الخديو إسماعيل تنازله على العرش لأكبر أبنائه «توفيق»، فأبى إسماعيل محتجا بأن ذلك من حق الباب العالي وحده، ومؤملا أن يرفض هذا الباب العالي مطلب الدول. وزاد الأمر سوءا أن قنصلي ألمانيا والنمسا انضما في الرأي إلى قنصلي إنجلترا وفرنسا، فكانت هذه مشكلة جديدة أمام خير الدين في الأستانة؛ إن هو أجاب فقد سمح للدول الأوربية بالتدخل فيما ليس من حقها، وإن هو رفض خشي أن تتجمع هذه الدول وتصمم، وتفعل بالقوة أكثر مما تصل إليها بالمفاوضة، وتقطع العلاقة الباقية بين مصر والدول العثمانية، وتنتهز الفرصة السانحة، فتلتهم إحداها مصر والأخرى تونس ... إلخ.