تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى الجملة فهذا خير الدين بما له وما عليه. حكم البلاد حكما استبداديا ولكنه عادل، وتولى أمر البلاد وهي فوضى في كل ناحية من نواحيها فعالجها بحزم وضبط وقوة، وقبض بيد من حديد على المفسدين والمتلاعبين، ودفع البلاد إلى الأمام بأقصى ما يستطيع من قوة، وعالج في كياسة التيارات السياسية في أحرج أوقاتها، ولكن كان شأنه في ذلك شأن كل مستبد عادل يزول فيزول بزواله كل إصلاح، وترجع الأمور إلى ما كانت عليه من اضطراب وفساد.

لقد سمع الباي إلى الوشاة فصد عنه، وأوسع الطريق أمام الدساسين يدسون له ويشعيون الأراجيف حوله حتى بالمتناقضات، ففريق يقول: إنه يريد تسليم البلاد لفرنسا بدليل مسألة السكة الحديدية، وآخرون يقولون: إنه يريد تسليم البلاد للدولة العلية وسلبها استقلالها بدليل مساعيه المختلفة في هذا الطريق. وقد نصحه بعضهم في هذا الموقف بأن يشرك معه الوزراء في تصرفاته وتحمل المسئوليات معه، وأن يقسم الإدارة إلى أقسام ويجعل على كل قسم رئيسا يلقب بوزير يتحمل المسئولية في اختصاصه، ولا يرجع إليه هو إلا في الأمور الهامة، وبذلك توزع الأعباء والمسئوليات، ولكنه كان من الأشخاص الذين ضعفت ثقتهم بكل من حولهم وشك في كل الرجال الذين ناصروا العهد الماضي، ولم يؤمن إلا بالله ونفسه، فخشي إن هو فعل ذلك أن يتلاعب من يسند إليهم العمل فيما يتولونه، ويسببوا له من المشاكل أكثر مما يحلون، فرفض هذا وظل قابضا على زمام كل الأمور.

نجحت دسائس الدساسين فباعدوا بينه وبين الوالي، وزاد الأمر سوءا أن الدولة العثمانية كانت قد دخلت في حرب مع روسيا، وطلب الباب العالي المعونة من الولايات ومنها تونس، فتراخى الباي عن إجابة هذا الطلب، وتحمس خير الدين، ودعا الأهالي إلى التطوع، فتطوعوا، وأرسل ما تطوعوا به إلى الباب العالي، فازداد الباي نفورا منه لأنه لم يكن يسره الارتباط الوثيق بين تونس والدولة العثمانية.

وكان أخشى ما يخشاه الباي هياج الأهالي لعزله؛ لتعلقهم به وإظهار شعورهم نحوه في المناسبات المختلفة اعترافا منهم بجميله. فلما كثرت الإشاعات حوله انتهز الباي الفرصة وأشعره بعدم رضاه عنه، فقدم خير الدين استقالته، فقبلها الباي. وكان ذلك في سنة (1294)، وأمر الباي الموظفين بتجنبه حتى خاصة أصدقائه، وقد استأذن الوزراء الباي في زيارة خير الدين عقب استقالته فلم يأذن لهم، وأرصدت حول داره العيون، فكان في حقيقة الأمر معتقلا. ولما سئم هذا العيش استأذن في السفر إلى أوربا لمداواة أعصابه، فامتنع الباي أولا، ورضي أخيرا، ثم طلب العودة، على أن يؤمن على حريته الشخصية من غير أن يتدخل في الأمور السياسية، فلم يرد على طلبه بقبول ولا رفض، فحضر بنفسه من غير أمان، وضيق عليه أكثر مما كان.

6

قضى خير الدين - بعد اعتزاله الوزارة - أعواما سودا، فقد كان أشبه بسجين لا يزور ولا يزار، ولم يتجه إلى التأليف يتسلى به كما فعل في العهد الماضي، إذا كان في المرة الماضية شابا آملا، فأمسى في هذه المرة شيخا يائسا، يرى كل ما بناه من إصلاح وما وضعه من خطط يتهدم على يد الباي وأعوانه حجرا فحجرا، وفرنسا تتقدم للقضاء استقلال البلاد خطوة فخطوة، ثم إذا هو ضاق صدره مما يرى وتهدمت أعصابه مما يفكر سافر إلى أوربا يظن أن فيها سعة من ضيق، فإذا هي ضيق فوق ضيق، لا يلبث حتى يشعر بالحنين إلى بلاده. فعل هذا مرتين فكان يستشفي من داء بداء.

وأخيرا وصل إليه تلغراف من كبير الأمناء يأمره فيه بالحضور إلى الأستانة، فاطلع عليه الباي، فتردد في الإذن له، وشاور قناصل الدول، فأشاروا عليه بأن يسمح له، فسافر في رمضان سنة (1295)، وكان سفرا حزينا، تعطف عليه قلوب الناس ولا يتيسر لهم وداعه؛ لأن الباي أمر أن لا وداع، وترك أسرته وماله في حماية من لا يوثق بهم في الحماية، وقد كان له أملاك كثيرة، ثلاثة قصور أهداها إليه البايات المتعاقبة جزاء له على خدمته أيام رضاهم عنه، وغابة من شجر الزيتون أهداها إليه الباي أحمد، ومنزل كبير به مياه معدنية أهداه إليه الباي محمد، وضيعة كبيرة منحها له الباي محمد الصادق، وقد أراد أن يبيع كل هذه الأملاك لعزمه على الاستقرار في الأستانة، فعرضها على الحكومة التونسية فأبت شراءها، فأمر وكيله أن يلعن الأهالي التونسيين بخصم 10٪ من ثمنها، فلم يتقدم أحد خوفا من الباي ورجال حكومته، فلما اضطر إلى بيعها للفرنسيين بعد سنة من إعلانه نقدوه نقدا مرا، وفي هذا يخطر لي قول أبي العلاء:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٣٧