تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان دفاع خير الدين وحزبه عن هذه التهمة أن لهذه المسألة تاريخا، وهو أنه في عهد وزارة مصطفى خزنه دار طلبت شركة إنجليزية مد خط حديدي بين تونس ومينائها «حلق الوادي»، فأجيبت إلى طلبها، وأنشأته فعلا ثم باعته إلى شركة إيطالية، وبعد مدة وجيزة طلبت شركة إنجليزية أخرى مد خط يسير من تونس إلى داخل البلاد حتى سوق العرب، ثم يمتد إلى «كيف» مركز الصناعة الزراعية في البلاد، وينتهي في منتصف الطريق بين ولاية تونس وحدود الجزائر، فمنحت الشركة الامتياز لأن الباي ومجلسه كانا متفقين على أن من مصلحة البلاد الإكثار من مد خطوط لتسهيل المواصلات، ولكن هذه الشركة لم تنجح في جمع رأس المال لهذا الخط، فطلبت مساهمة الحكومة بنسبة الربع في النفقات، فلم تجب إلى ذلك وطلبت مهلة بعد مهلة دون أن تبدأ في العمل، فسقط الامتياز من نفسه.

وفي وزارة خير الدين طلبت شركة فرنسية الإذن لها بمد خط بين تونس والجزائر، فرفض خير الدين بحجة أن المسألة تتصل بالحدود، والباب العالي وحده هو صاحب الحق - بمقتضى الفرمان - في التصرف في هذا الشأن، فلا يمكنه أن يتفق مع الشركة بدون استشارته، ورأت الشركة أن هذا يورطها، وأقل ما فيه أن طلبها من الباب العالي ذلك اعتراف منها بسيادته على تونس، فعدلت مطالبها وطلبت أن تحل محل الشركة الإنجليزية في مشروعها بنفس الشروط، وهذا يجعل الأمر في يد الحكومة التونسية؛ لأنه لا يصل إلى الحدود، وعرض خير الدين الأمر على مجلس الوزراء، فأجاب طلب الشركة.

وبعد ثمانية أشهر من اعتزاله الحكم عرضت الشركة تكملة الخط إلى حدود الجزائر فأجيبت إلى طلبها.

قال خير الدين: إنه لم يسمح بمد الخط إلى الحدود، وبأنه لو لم يسمح لفرنسا بما سمح به لإنجلترا لنشأ عن ذلك مشكلة دولية لم يكن فيها موقفه قويا، ثم إن مد الخطوط الحديدية من مصالح الدول، ومن الخير أن تنشئها الدولة أو الأهالي، وليس ذلك في الإمكان، فالحكومة فقيرة تبتلع أكثر ميزانيتها فوائد الديون، والأهالي فقراء جهلاء أو أغنياء لا علم لهم بالشركات ولا قدرة لهم على إدارتها، فلم يبق إلا منحها للشركات الأجنبية أو عدم إنشائها بتاتا.

والحق أن مركز خير الدين فيه بعض الضعف. فتعديل الشركة مطلبها، واقتصارها على جزء من الطريق يفهم منه بالبداهة أنها تريد وضع رجلها في مركز تثب منه إلى الحدود كما حدث فعلا. فالحزم كان يقتضى المنع بتاتا؛ إذ من الواضح أنها جزأت مطلبها على دفعتين بعد أن طلبته دفعة واحدة، والنتيجة واحدة.

وكأنه أحس بضعف حجته هذه، فحاول أن يريح ضميره بعد سقوط تونس إذا قال: «على أن الفرنسيين عند غزوهم تونس أنزلوا قواتهم في طبرق وبنزرت، واجتازوا منهما الحدود إلى تونس دون أن يعتمدوا على السكة الحديدية المذكورة التي كانت في بداية إنشائها».

كما قال: إن إنشاء هذا الخط ليس هو الذي أضاع تونس، ولا عدم إنشائه كان يحميها؛ لأن مركز تونس لم يكن يحميه إلا الضمير الأوربي الذي كان يوجب المحافظة على وحدة الدولة العثمانية. وما دامت أوربا سمحت لفرنسا بالانقضاض على فريسة هينة كتونس فخط الحديد لا يقدم ولا يؤخر. وهذا ضرب من اليأس لا يصح أن يتسرب إلى نفس المصلح.

ونقده بعضهم بأنه أيام وزارته الثانية جاء فرأى قوانين الشورى ملغاة، فلم يعمل على إعادتها وإصلاح ما كان قد ظهر من عيوبها، بل حكم البلاد حكما استبداديا وإن كان عادلا، وهو هو الذي طالما مجد الشورى في كتاباته وفي مقدمة كتابه، وطالما قال: إن الحاكم الذي يحكم بأمره - وإن كان عادلا - ليس لعدله ضمان؛ إذ هو موقوت بوقته، فكان واجبا عليه وقد ملك زمام الأمر أن يعيد الحكم النيابي ويقويه في البلاد حتى يذيق الناس لذته ويفهموا فائدته.

وكانت حجته في الرد عليهم أن الحكم النيابي في المملكة الإسلامية لا يتيسر إلا بأحد أمرين: رغبة الملك أو الأمير في ذلك، أو قوة الرأي العام وثورته للمطالبة بهذا الحق رغم رغبة الملك أو الأمير، والأمران مفقودان في تونس؛ فالباي يكره الحكم النيابي ولا يطيقه، والرأي العام جاهل خاضع. وليس يفهم مزايا الحكم النيابي إلا أفراد معدودون ليس لرأيهم قوة التنفيذ. وهب أن الباي قبل النظام النيابي، أليس في إمكانه إلغاؤه كما حدث عند سنوح الفرصة، ما دامت الأمة ليس فيها من يحميه ويحرص عليه. والعالمون بالأمور يرون أن حجته في ذلك واهية، فعندما أسندت إليه الوزارة كان قويا، وكان الباي والناس يرون فيه المنقذ الوحيد لما آلت إليه الحال، فلو تشدد في عدم قبوله الحكم إلا بالنظام النيابي لاضطر الباي أن يجيبه إلى مطلبه، وفي مدته كان في إمكانه تدعيمه حتى يألفه الناس ويطمئنوا إليه ويشعروا أنه حاجة ضرورية من حاجاتهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٣٦