تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخذ الباب العالي على عاتقه السعي في موافقة الدول عليه، ولكن مشاكله واضطراب أموره الداخلية والخارجية حالا دون إتمامه، وأبت فرنسا الموافقة عليه؛ لأنه يعوقها عما تنويه لتونس.

هذه خطة خير الدين: إصلاح في الداخل في كل ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية، وإصلاح في الخارج بربط البلاد بالدولة العثمانية ربطا وثيقا يناهض به أطماع فرنسا وإيطاليا. ولكن عودنا التاريخ ألا يأتي مصلح بمثل ما أتى به خير الدين إلا أوذي.

5

بعد أن سار شوطا بعيدا في طرق الإصلاح كانت تتجمع عناصر مختلفة تعاديه وتضع العراقيل في سبيله، وتشيع الأخبار عن خيانته وسوء قصده، وتفسر بالشر بعض ما يأتى من الخير، وتجسم بعض ما يرتكب من أخطاء، ولا بد لكل مصلح من أخطاء.

فالباي (محمد الصادق) كان مصطفى خزنه دار الناهب السارق الخائن أحب إليه من خير الدين النزيه العادل الحازم، فهذا لم يكن يعطيه من المال إلا ما تقرر له في الميزانية، وذاك يعطيه ما يشتهي ليأخذ لنفسه ما يشتهي، وهذا حازم لا يجيز من الأمر إلا ما وافق العدالة ومصلحة الشعب، وذاك يقبل الشفاعة والرجاء ولو على حساب العدالة ومصلحة الشعب؛ وهذا جاد خشن الملمس، وذاك ناعم هين لين، والأمراء المترفون يرضيهم المظهر ومن يجيب رغباتهم، أكثر مما يرضيهم المخبر ومن يقدر التبعات.

لذلك كرهه الباي وعاداه، ولكنه رأى تعلق الناس به فجاراه وداراه، وخالفه سرا ووافقه جهرا.

ثم هناك أعوان مصطفى خزنه دار الذين كانوا يأكلون من فتات مائدته، ويسرقون درهما إذا سرق ألفا، ويكسبون بالوساطة والشفاعة، وينهبون من الضرائب غير المضبوطة، قد رأوا خير الدين يسد في وجوههم الباب ويحصنه بالعدالة، ويضع من النظم ما يفقرهم ليغني الشعب - هؤلاء الذين لا يعجبهم النور وإنما يعجبهم الظلام قد كرهوه أيضا، وأخذوا يدسون له الدسائس وينصبون له الشباك.

وهؤلاء أيضا فئة اشترت ذممهم إيطاليا وفرنسا ومنتهم الأماني بالمناصب والمغانم إذا هم أعانوها في خطتها، ودبروا لها الاضطراب الذي يمكن من سلطانهما، وخلقوا الأحداث التي ترتكن عليها في تدخلهما.

وهذه فرنسا كرهت أشد الكره من خير الدين ما يقوم به من حركات لربط تونس بالدولة العلية ربطا محكما، فهي تريد عزلتها كما يرقب الذئب انفراد الشاة عن القطيع ليفترسها، حتى إنه في إحدى سفرات خير الدين إلى استانبول ركب السفينة من ميناء تونس، وقبل أن تقلع أعلن أن قادما أتى لزيارته، وإذا هذا القادم هو القومندان المساعد لبارجة فرنسية كانت راسية في الميناء، فسأله: هل يعتزم السفر؟ أجاب: نعم، فقال: إن قائده يرجو منه أن يؤخر سفره يومين أو ثلاثة حتى يتلقى القنصل التعليمات من باريس.

خير الدين :

أنت رجل عسكري مثلي تعلم أني لا أستطيع مخالفة أمر حكومتي إلا إذا خالفت واجبي، ولست أملك حرية الاختيار بين طاعتي للواجب، ومجاملتي لقائدك، وإذا فأنا راحل في الساعة التي حددتها.

الضابط :

في هذه الحالة أحذرك وأنذرك بأن قائدي - مع الأسف - سيمنعك بالقوة.

خير الدين :

كان الأولى أن تبدأ مهمتك بهذا الكلام، ولست في منزلة تجعلني أتلقى الأوامر من قائدك، ولست مغيرا قراري، والحكومة التونسية مطلقة الحرية في تصرفها. وسأمنحك الوقت الكافي للعودة إلى بارجتك وتبليغ قائدك ما قلت، وستقوم الباخرة في موعدها، وإذا كان قائدك سينفذ تهديده فإني أعرف كيف أقابله بالمثل وبالوسائل التى أملكها وأحمله تبعة ما يحدث.

وتحركت السفينة في المساء وطاردتها البارجة الفرنسية ترسل الإشارات بالوعيد، وتأمر بالوقوف من غير جدوى حتى الصباح، واستمر في طريقه، وعادت البارجة الفرنسية. كل هذه القوى تجمعت لمعاكسته في وزارته، وانتهزت الفرصة لاتهامه بما يسقط منزلته. وربما كان أهم ما وجه إليه من تهم أمران: اتهمه خصومه السياسيون بأنه منح امتيازا لشركة فرنسية بمد خط حديدي بين تونس والجزائر، وهو يعلم مطامع فرنسا ويعلم امتلاكها للجزائر، فمد هذا الخط يمكنها عند إرادتها احتلال تونس أن تغزوها من الجزائر. وفي ذلك خطر أي خطر، وقد أطنبوا في هذه التهمة، وأحكموا خطتهم وأرادوا أن يضربوا عصفورين بحجر؛ فمن ناحية يسيئون سمعته عند المواطنين والوطنيين، ومن ناحية يشوهون منزلته عند الدولة العثمانية التي تعتقد أنه رجلها يعمل لصالحها وصالح تونس بربط العلاقة الوثيقة بينهما.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٣٥