تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفى التعليم أنشأ مدرسة عصرية تعلم فيها العلوم العربية والشرعية، وبجانبها الثقافة العصرية، مع تعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية، وأصلح التعليم بجامع الزيتونة. وجمع الكتب المبعثرة في المساجد، وكون بها مكتبة كبيرة، ووهب له من عنده ألفا ومائة كتاب مخطوط، ونظمها تنظيما حديثا، وحسن مطبعة الدولة ووكل إليها نشر الكتب العلمية والأدبية، وأصلح إدارة «الرائد التونسي» وهي الصحيفة الرسمية للحكومة، وشجع على نشر المقالات فيها، وكان ينشر فيها أفكاره السياسية، وألزم الموظفين بقراءتها، والتفت إلى الناحية الاقتصادية، فنظم الجمرك ورفع ضريبة الاستيراد 5٪ وخفض ضريبة الإصدار، وأنشأ المخافر الجمركية لمنع التهريب، ونظم الوظائف الحكومية وعين مرتباتها، كما حدد مرتبات القصر، ووضع ميزانية الدولة على أساس صحيح، وضبط المكاتبات في الدواوين، وأنشأ السجلات للصادر والوارد ورتبها حتى يسهل الرجوع إليها.

وجد في إحياء الصناعات المغربية كالنقش على الجص والقباب، وكان يأتي بمهرة الصناع من البلاد، ويعهد إليهم بتعليم طائفة من الشبان.

ونظم الأوقاف وكانت فوضى في البيع والشراء وصرف الريع، وآلت أعيانها إلى الخراب، فجمعها في إدارة واحدة، وجعل عليها السيد محمد بيرم ومعه مجلس يعينه في تنظيمها.

ونظر فرأى الناحية التشريعية والقضائية في البلاد مضطربة، والأجانب لا يخضعون لقانون البلاد، وليس من السهل إقناعهم بالخضوع؛ إذ ليس في البلاد قانون، فكان لكل من المذهب الحنفي والمالكي قاض مطلق الحكم في الحوادث، وقد يحدث أن الحادثين المتشابهين يقضى فيهما قضاءان مختلفان. ومن المبادئ التي يدين بها الأجانب أن تكون القوانين معروفة قبل الأحداث، ليست مجالا للاجتهاد ولا التلاعب، فعهد خير الدين إلى إخصائيين بدراسة القوانين المعمول بها في الدولة العثمانية وفى مصر وفي أوربا، وأن يستخرجوا منها قانونا يناسب القطر التونسي، واستمرت اللجنة في عملها، ولكن خرج الوزير من الوزارة قبل أن يتم.

وهكذا نقل البلاد من حالة كرب وضيق وظلم وفوضى إلى حالة أمن ورخاء وضبط ونظام، ورقي في كل مرفق من مرافق الحياة، وكأنه بذلك كان يستملي نهضة مصر فيدخلها معدلة في بلاده.

أما المشاكل الدولية التي كانت أمامه فمعقدة مشتبكة ملتوية: فرنسا تنظر إلى تونس نظرة الصائد نشر شبكته، تحاول أن تجد من كل حادثة منفذا لتدخلها، فإذا لم تجد الحادثة خلقتها خلقا، وتدعي أن لها الحق فيما لها فيه حق وما ليس لها فيه حق، وتصطنع الرجال وتمنيهم المناصب الكبيرة حتى منصب الباي، إذا هم أعانوها وأفسحوا الطريق أمامها لبسط حمايتها. وإيطاليا ليست أقل من فرنسا مطمعا. ولما حدثت الحرب بين فرنسا وألمانيا سنة (1288ه/1871م)، وخرجت منها فرنسا منهزمة، اشتدت مطامع إيطاليا، وجدت في سعيها لتوسيع نفوذها، فكانت تونس مسرحا لتسابق الدولتين، كل تدبر دسائسها، وكل تشتري ذمم أنصارها، وكل توعز إلى جرائدها بما يتفق ومصلحتها.

وسط هذه المطامع والنذر بالخطر رأى خير الدين أن يضرب الدولتين بعضهما ببعض، وأن يقوي الصلة بين تونس والدولة العثمانية؛ لأن تونس لا تستطيع القيام بنفسها، فرسم خطة توثيق الصلات وتحديد العلاقات بينهما، وكانت علاقات غامضة غير محدودة، فسعى سعيا متواصلا، وخاطب الباب العالي في هذا الشأن وشرح له وجهة نظره، فأجيب إلى طلبه. وطلب الباب العالي إرسال مندوب إلى إستانبول للمفاوضة في هذا الأمر، فوقع الاختيار على خير الدين نفسه، فسافر وفاوض ونجح في استصدار فرمان يحدد هذه العلاقة، ويقرر أن تونس إيالة عثمانية ولواليها الحق في تولية المناصب الشرعية والعسكرية والملكية والمالية لمن يكون أهلا لها، وفي العزل عنها بمقتضى قوانين العدل، وفي إجراء المعاملات المعتادة مع الدول الأجنبية، ما عدا الأمور السياسية التي تمس حقوق الدولة العثمانية؛ كأصول السياسة والحرب وتغيير الحدود، كما تتضمن إقرار الوراثة في العائلة المالكة، مع المحافظة على الخطبة للسلطان وضرب السكة باسمه، وإجراء الأمور الداخلية في البلاد على قوانين الشرع ومراعاة قواعد العدل التي يقتضيها الوقت والحال، والتي تؤمن الناس في النفس والعرض والمال. وقد صدر هذا الفرمان سنة (1288)، واستقبله الأهالي بالسرور.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٣٤