تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عند ذاك اتجه الباي إلى خير الدين يطلب منه أن يرأس اللجنة، فاعتذر،فألح عليه حتى قبل، وحمل مهمة شاقة في الداخل والخارج، ومنح لقب وزير، ومن الغريب أن الباي احتفظ بمنصب الوزير الأول لمصطفى خزنه دار، الذي أسلم البلاد للدمار! وليس لهذا سبب إلا ضعف الباي وشلله أمامه كما يشل العصفور أمام الثعبان.

واجه خير الدين مشاكل من أعسر الأمور، فاللجنة المالية المختلطة تريد أن تضع يدها على كل شيء في الدولة؛ لأن كل شيء متصل بالمال، حتى المعلم في المدرسة والقاضي في المحكمة، ولو فعلت لأضاعت استقلال البلاد بتاتا.

ومشكلة ثانية: وهي كيف ينقذ هذا الشعب بعدما احترق بالجوع والفقر والمرض وفقدان الثقة بالحكومة.

ومشكلة ثالثة: وهي بقاء مصطفى خزنه دار رئيسا للوزارة، وهو الشره في المال كشرهه في حب السلطة والجاه. ومن ذاق لذة ذلك لم يتنح عنه اختيارا، وهو بطبيعته وتاريخه عدو كل إصلاح، غيور ممن يشاركه جاهه. فأما المشكلة الأولى فاستطاع خير الدين - بالمفاوضات الطويلة مع اللجنة، ومع الدول - أن يحصر دائرة نفوذها في موارد محدودة وأن ينظم ميزانية الدولة، ويضمن للدائنين دفع الفوائد في حينها، إلى غير ذلك من وسائل تعهد بها ونفذها في ضبط وأمانة.

وأما المشكلة الثانية فقد رأى كثرة الضرائب قد أضاعت الزراعة وجعلت البلاد خرابا. ولم يزرع الناس، إذ كان نتاج زرعهم ليس لهم، وكان زارعهم وغير زارعهم يستويان في الفقر؟ فخفف من الضرائب، ونظم طرق تحصيلها، وأخذ بالشدة من تلاعب فيها، وشجع غرس الزيتون والنخيل، فأعفى كل من غرس منهما جديدا من الضرائب عليها مدة عشرين عاما، وأرجع من فر من الأهالي لكثرة مطالب الحكومة، وأسقط ما عليهم، وأمر بالنظر في شكايات من نكب من الناس على يد الحكومة السابقة ورد ظلامتهم، ووضع صندوقا كبيرا في ميدان تونس يضع فيه كل متظلم ظلامته وأعفاه من التصريح باسمه، وجعل مفتاح الصندوق معه، هو الذي يفتحه بنفسه، وهو الذي يقرأ الظلامات، ويوقع عليها بما يراه من تحقيق العدل.

وأما المشكلة الثالثة فقد ظل في نزال مع مصطفى خزنه دار حتى زادت فظائعه وانكشفت، وألح الناس بوجوب عزله، وسقط سقطه ضبطتها اللجنة المالية، فعزل من منصبه سنة (1290)، وأقام الناس لذلك من الزينات والأفراح في جميع بلدان القطر ما لم يسمع بمثله، وأصدر خير الدين قرارا بمحاكمته على ما اتهم به، فحوكم. والتزم بدفع خمسة وعشرين مليون فرنك.

وبذلك ختمت حياة مصطفى خزنه دار السياسية، وهي حياة تعد مأساة الأمة، من ناحية موت الضمير لرجل وكلت إليه شؤون البلاد في أوقات حرجة مليئة بالمطامع الدولية، ومن ناحية خنوع الشعب لهذا الرجل ومظالمه مدة تزيد على ثلاثين عاما، من غير أن يكون هناك رأي عام يزلزله وينحيه، وقوة الاحتمال في مثل هذه الأحوال رذيلة من أكبر ما تمنى به الشعوب.

من ذلك الحين كان خير الدين هو الوزير الأول، أطلقت يده فيما يرى من إصلاح، ولا يغل يده إلا مطامع الدول.

تولى إصلاح القطر من جميع نواحيه، السياسية والزراعية والتعليمية والاقتصادية والمالية والإدارية والقضائية.

فسلك مع قناصل الدول مسلكا حازما صريحا، يصغي إلى طلباتهم المعقولة ويرفض غير المعقولة، مع ذكر الأسباب المفصلة للرفض، فلا يداهن ولا يرائي؛ ولذلك احترموه ولو خالفوه، وقد يضعون العقبات في سبيله باطنا، ولكنهم يجاملونه ظاهرا.

وقسم الأراضي الزراعية إلى مناطق، وتحرى اختيار الأمناء لجلب الضرائب. ومن سهل عليه دفع الضريبة نقدا فعل، أو محصولا فعل، ونكل بمن ثبتت عليه الخيانة من الجباة، ونظم العلاقات بين الملاك والمزارعين وبين الملاك والحكومة، وألغى الضرائب غير المعقولة وغير المستطاعة، وأبطل الحملات العسكرية لتحصيل الضرائب بالقوة؛ لأنها كثيرا ما كانت تؤول إلى أعمال السلب والنهب، فعادت للناس طمأنينتهم، وعاد للحكومة هيبتها واحترامها، وانصرف الناس إلى الزراعة بعد أن كانوا ينصرفون عنها. ولما ترك الحكم كانت مساحة الأرض المستغلة مليون هكتار، وكانت حين تسلم زمام الحكم ستين ألفا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٣٣