وقد أيد خير الدين نظرته هذه بالرجوع إلى التاريخ، فاستشهد بالمملكة الإسلامية، بم تقدمت، وبم تراجعت، وبأوربا بم تأخرت وبم نهضت وبم نمت.
وحمل المسلمين تبعة تأخرهم، ولكنه لم يهمل نقد أوربا بإزاء الدول الإسلامية في تصرفاتها وخاصة في مسألة «الامتيازات الأجنبية» استنادا إلى عهود قديمة مضى وقتها، ولم تكتف بالعهود، بل توسعت في تفسيرها ما شاءت لها قوتها. وهذا كله مخالف للقانون الأساسي البديهي، وهو أن من دخل مملكة فلا بد أن يخضع لأحكامها. فإذا ادعى أن المملكة الإسلامية متأخرة في نظمها، فهناك من هم أكثر تأخرا منها، وأوربا لا تطلب امتيازات فيها. وإذا ادعى كراهية بعض عوام المسلمين للنصارى وحيفهم عليهم، أمكننا الادعاء بحق كراهية بعض النصارى للمسلمين وحيفهم عليهم، فلا مبرر إذا لهذه الامتيازات. يضاف إلى ذلك ما تقوم به بعض ممالك أوربا من وضع العراقيل في سبيل تنظيم الممالك الإسلامية لشؤونها، وإدخال وسائل الإصلاح التي تراها، وإيقاع الدول الإسلامية في حيرة بين مطالبة بالإصلاح وإعاقة للإصلاح.
ثم من أهم العوائق في تقدم المسلمين وجود طائفتين متعاندتين: رجال الدين يعلمون الشريعة ولا يعلمون الدنيا، ويريدون أن يطبقوا أحكام الدين بحذافيره بقطع النظر عما جد واستحدث، ورجال سياسة يعرفون الدنيا ولا يعرفون الدين، ويريدون أن يطبقوا النظم الأوربية بحذافيرها من غير رجوع إلى الدين، فنقول للأولين: اعرفوا الدنيا، ونقول للآخرين: اعرفوا الدين. فاعتزال العلماء شؤون الدنيا ثم تحكمهم ضرر أي ضرر، وجهل رجال السياسة بأصول الدين ضرر مثله. والواجب امتزاج الطائفتين وتعاونهما. فهناك أصول الدين يجب أن تراعى، وهناك أمور لم ينص عليها تقتضيها مصالح الأمة يجب أن تقاس بمقياس المنفعة والمضرة ويعمل فيها العقل.
ثم أبان الأسس التي بنيت عليها المدنية الحديثة التي يمكن اقتباسها ونشرها في المملكة الإسلامية كالحرية بنوعيها، وهما الحرية الشخصية وهي «إطلاق التصرف للإنسان في نفسه وكسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله ومساواته لأبناء جنسه في الحقوق والواجبات»، والحرية السياسة وهي المشاركة في نظام الحكم والمداخلة في اختيار الأصلح - ثم تأسيس القوانين بنوعيها، وهي قوانين الحقوق المرعية بين الدولة والرعية، وقوانين حقوق الأهالي فيما بينهم - ثم مسئولية الوزراء أمام الأمة في مجلسها الشوري ... إلخ.
وختم ذلك بإبداء رأيه في أن إيجاد هذه النظم من لوازم وقتنا، وكل من وقف في سبيلها عديم الأمانة والنصيحة لدولته ووطنه.
هذه زبدة ما في المقدمة التي تبلغ نحو مائة صفحة، ومنها نعرف وجهته في الإصلاح، ونعود بعد ذلك إلى متابعة حياته.
4
بعد أن ترك خير الدين الوزارة وتخلى عن الكفاح وانصرف إلى التأليف، خلا الجو لمصطفى خزنه دار، يثقل كاهل الشعب بمظالمه ومغانمه. والباي محمد الصادق باشا الذي تولى سنة (1276) رجل لين سهل ناعم، لا يحب أن يواجه صعوبة ولا يسمع بمشكلة، يسلم الأمور لوزيره ولا يسأله عما يفعل، ولا يهمه منه إلا أن يواليه بالمال الكثير الذي يصرفه في ترفه.
والمجلس النيابي الذي أنشئ وجد فيه مصطفى خزنه دار عائقا لتصرفاته واستبداده، فألغاه وألغى كل ما تبعه من نظم، وعادت الأمور إلى مجراها الأول، واسترد الوزير حريته في فرض الضرائب وطرق تحصيلها.
وما زال مصطفى خزنه دار يستنزف موارد البلاد حتى نضب معينها، فاتجه إلى أوربا يستدين منها، وفي أقل من سبع سنوات بلغ الدين (150 مليون فرنك).
ووقعت البلاد في شر محنة؛ فمن ناحية ثار الشعب من ضرائب تضاعفت، بل بلغت في بعض الأحيان ثلاثة أمثالها، إلى جور وفساد في التحصيل والتوزيع أسلم إلى الإفلاس، حتى بلغ الحال آخر الأمر أن لم يكن في خزانة الدولة مرتبات أسرة الباي ولا مرتبات الموظفين ورجال الجيش ولا فوائد الديون، وحتى اضطر أوساط الناس إلى إخراج نسائهم لجمع العشب وعروق الأشجار للاقتيات بها، ومن كان عنده قليل من المال أخفاه حتى لا يصادر، وتظاهر بالفقر، وكان يغلي القمح في الماء ليلا من غير طحن حتى لا يتهم بالرخاء، وفشا المرض والموت إلى أفظع حد. ومن ناحية أخرى تدخلت الدول الأوربية تريد المحافظة على ديونها. واقترحت فرنسا تشكيل لجنة مالية، ووافقتها إنجلترا وإيطاليا، وصدر مرسوم من الباي سنة (1286) بتشكيلها من فرنسيين وإنجليز وإيطاليين يرأسها موظف تونسي، وجعلت مهمتها توحيد الدين وتحديد الفوائد وإدارة المرافق التي خصصت لهذا الدين. وهكذا كانت رواية واحدة مثلت مرة في مصر ومرة في تونس، لم يختلف فيها إلا أشخاص الممثلين.