أما القول ببطء الإجراءات، فإن كان سببه إعطاء الحوادث حقها من التأمل حتى يتضح عند الحاكم وجه الحق بالإفساح للمتخاصمين أن يدلوا بحججهم، فلا يصح أن يشكو منه جاهل أو متجاهل، وهذا خير ألف مرة مما يجري الآن من الإسراع في الحكم من غير تمحيص ومن غير إبداء أسباب، وإن كان سببه تقصير الموظفين أو قصورهم، فما على الحكومة إلا أن تختار الأكفاء وتدربهم، وكذلك الشأن في الأمور السياسية الكلية لا بأس من البطء فيها إذا كان البطء لتحري الصواب ومعرفة وجه الحق. ومع هذا فقد يحدث البطء والتحفظ أول الأمر، فإذا مرنت الأمة عليه أسرعت في شؤونها.
وأما الخوف من زيادة الضرائب فالأمر بالعكس؛ لأن الحكم الشوري يجعل الضرائب لا تفرض إلا حيث المصلحة وبرضا أهل الحل والعقد، على حين أن الحكم الاستبدادي يجعل فرض الضرائب شهوة من شهوات الحاكم المستبد. ثم إن تنظيم الدولة وشؤونها بضبط دخلها وخرجها يزيد في مصادرها فتنعم الأمة بماليتها، وإذا فرضت ضريبة؛ فلأنها تفيد أكثر مما تضر، لا كما هو حاصل الآن من وضع إيراد الدولة تحت تصرف الحكام يصرفون منه على شهواتهم من غير حساب، فإذا أسرفوا وأتلفوا لم يجدوا إلا باب فرض ضرائب جديدة.
الحق أن الأمم الإسلامية لا تصلح إلا بالنظام الشوري الذي يقيد الحاكم، وبأن نستمد من النظم الغربية والمدنية الحديثة ما يصلحنا. والحق - أيضا - أن الذين يقفون أمام هذه الدعوة إلى الإصلاح إما جهلة لا يعرفون كيف تقدم العالم وكيف أصلح عيوبه وأسس نظمه، ثم يدعوهم الجهل إلى الاستنامة لنظمهم المعيبة وطرقهم المعوجة، ويرون أن الإصلاح بدعة من بدع آخر الزمان، وإما قوم يعلمون وجوه الإصلاح ومزاياه، ولكنهم يرون أنها تسلبهم منافعهم الشخصية التي تتوافر لهم بالاستبداد والفوضى ولا تتوافر بالنظام، فيحاربونها تحت ستار ما يزعمون من أضرار وما يختلقون من أسباب، وهم في باطن أنفسهم يعرفون أنهم كاذبون.
إن العدل والحرية هما ركنا الدولة، وهما اللذان كانا في المملكة الإسلامية فأزهرت، ثم فقدا فذبلت، ولم يكونا في الدول الأوربية فانتابها الضعف والفساد، ثم كانا فصلح حالها، وليس جو أوربا أحسن الأجواء، ولا أرضها أصلح الأراضي، وإنما بلغ أهلها ما بلغوا بالتقدم في العلوم والصناعات واستخراج كنوز الأرض بعلوم الزراعة، وكسب المال بعلوم التجارة، وهذا كله لم يكن إلا وليدا للعدل والحرية، وهذه قوانين طبيعية لا تتخلف؛ عدل وحرية يتبعهما عمران، وظلم واستبداد يتبعهما خراب.
ثم إن العدل والحرية يجب أن يوضع لهما من النظم ما يضمن وجودهما ودوامهما. وليس هناك ضمان إلا بالمجالس النيابية، فقد يكون في الملوك من يحسن تصرفه بدون مشورة، ولكن يكون ذلك موقوتا بوقته، يزول بزواله؛ فوجب أن يحاط بأهل الحل والعقد، يشاركونه في كليات السياسة، ويكون الوزراء مسئولين أمامهم. وكل ما أصاب الأمم الإسلامية إنما أصابها من ترك الأمر فيها إلى مشيئة حاكمها وخضوع الوزراء لإشاراته. وقد قال ابن العربي في الضرائب التي تؤخذ من الناس عند فراغ بيت المال: إنها يجب أن تؤخذ جهرا لا سرا، وتنفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد.
وقد كنت أتحدث مع كبير من أعيان أوربا، فأسهب في مدح ملكه وتضلعه في أصول السياسة وصواب منهجه، فقلت: فلم إذا تخاصمونه في الحرية السياسية؟ فقال: من يضمن لنا بقاء استقامته واستقامة ذريته من بعده؟ وقد اقتبس بعد ذلك من أحد مؤرخي نابليون قوله: «إن نابليون أخطأ - مع عظمته - لاستبداده، ويجب على الأمة الفرنسية أن تتعلم من غلطاته. وإن ما ينبغي أن يستخلص من كل تاريخه أنه لا يليق بأي فرنسي أن يبذل حريته لأي أحد، كما لا ينبغي له الإفراط في حريته حتى تنتهك حرمتها».