وأهم ما يعنينا الآن مقدمته التي تشرح حال المسلمين وحاجتهم إلى الإصلاح وطريقته؛ وهو فيها ينعي على المسلمين كراهيتهم الأخذ بأساليب المدنية الغربية في الإصلاح، واعتقادهم أن كل ما صدر عن أوروبا حرام، يعللون ذلك بعلل مختلفة كأن يقولوا: إنها مخالفة للشريعة الإسلامية، أو يقولوا: إنها إذا ناسبت الأمم الغربية فلا تناسب الأمم الشرقية؛ لأن كل أمة لها موقفها الاجتماعي وعقليتها وتاريخها، أو يقولوا: إن المدنية الغربية بطيئة الإجراءات وخاصة في طريقة القضاء، أو أن يقولوا: إن النظم الغربية تستلزم التوسع في الإدارة وتقسيم الأعمال وهذا يستلزم كثرة الوظائف والموظفين، وليس هناك مال يكفي لكل هذا، فلا بد إذا من فرض ضرائب جديدة، والبلاد فقيرة وأهلها لا يحتملون زيادة الضرائب. وقد وقف نفسه للرد على هذه المزاعم:
فأما الزعم الأول: فالتمسك بالدين لا يمنع من النظر فيما عند الأمم الأخرى، والأخذ بأحسنه فيما يتعلق بالمصالح الدنيوية؛ فليس بالناس يعرف الحق، ولكن بالحق يعرف الناس، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث يجدها، وسلمان الفارسي لما اقترح على النبي
صلى الله عليه وسلم
حفر خندق في غزوة الأحزاب أخذ برأيه ولم يكن ذلك معروفا عند العرب، والمسلمون الأولون أخذوا علوم اليونان ومنها المنطق واستفادوا منها، وقال الغزالي: من لا معرفة له بالمنطق لم يوثق بعلمه، وأبو بكر الصديق قال لخالد عند إرساله لقتال أهل الردة في اليمامة: «إذا لا قيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به، السهم للسهم والرمح للرمح والسيف للسيف»، ولو أدرك هذا الزمان لقال: المدفع للمدفع والبارجة للبارجة والمدرعة للمدرعة. ولا يمكن الاستعداد لمنازلتهم بمثل سلاحهم إلا بالعلم وأسباب العمران. ثم نقول لهؤلاء الذين لا يستحسنون ما تأتي به المدنية الغربية: لماذا تنكرونها فقط في التنظيم ونتائجه والإدارة وضبطها والعدل وإقامته، ولا تنكرونها فيما يتنافسون فيه من الملابس والأثاث والمخترعات وأسباب الترف؟! فالذين صنعوا أدوات الزينة والنعيم هم الذين صنعوا الأسلحة واخترعوا العلوم والمعارف. أنفتح الباب للأخذ منهم فيما لا ينفع ونغلقه أمام ما ينفع؟! أنصد عن الأخذ عنهم ونتركهم يستغلون زراعتنا ومواردنا وينعمون بها ثم نكتفي منها بفتات موائدهم؟ إنهم ما وصلوا إلى استغلالنا إلا بمعارفهم، ولم ترتق معارفهم إلا بالعدل والحرية، فكيف يسوغ لعاقل أن يصد عن ذلك ويغمض عينيه ولا يسمح به، استنادا على خرافات وأوهام؟ وقد قال بعض المؤلفين في السياسة الحربية: «إن الأمة التي لا تجاري جاراتها في معداتها الحربية ونظمها العسكرية، توشك أن تقع غنيمة في أيديهم»، وإنما خص النظم الحربية بالذكر؛ لأنها موضوع كتابه، وإلا فالحكم عام في كل مرافق الحياة. «ومن داوعي الأسف أن هذه النظرة إلى المدنية الغربية لا تزال تؤثر في بعض الأوساط في الأمم الإسلامية، وإن اختلفت درجتها في الإصغاء إلى هذه الدعوة؛ كالتخويف من تعليم المرأة، ومن الاستمداد من التشريع الحديث. ولعل هذا من الأسباب التي جعلت النصارى والمسلمين إذا اجتمعوا في قطر واحد كان النصارى أسبق إلى تشرب المدنية الغربية والاستفادة منها، ثم يأتي بعض الناس فينسبون ذلك إلى طبيعة الإسلام، والإسلام لا يمنع أن يقتبس الصالح من الأمر حيث كان وممن كان.
أما هؤلاء الذين يقولون: إن المدنية الغربية لا تناسب الأمم الإسلامية لموقفها الاجتماعي فنقول لهم: إن أوربا عندما بدأت نهضتها كانت أسوأ حالا منا، والأمة الإسلامية - كما يشهد المنصفون - لها نم عقليتها واستعدادها وسابق مدنيتها ما يمكنها من السير في المجال إذا أذكيت حريتها الكامنة؛ فالحرية والطموح غريزتان في المسلمين تأصلتا فيهم بتعاليم دينهم، غاية الأمر أنه من الواجب على القادة الذين يضعون أسس حريتهم، ونظم إدارتهم أن يراعوا ظروفهم وأن يقدموا لهم من ذلك ما يستطيعون هضمة، ثم يوسع هذا شيئا فشيئا بنمو أسباب التمدن.