تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأرادوا أن يصرف فاضل الأوقاف على الإصلاحات العسكرية، واستندوا إلى فتوى من أحد العلماء المالكية، فعارض خير الدين في هذا وأوضح وجهة نظره بأن الشؤون العسكرية لها مخصصات في مالية الدولة، ولا يصح أن تمتد الأيدي إلى فاضل الأوقاف إلا إذا عجزت مالية الدولة واستنفدت في وجوهها العادلة، أما إذا كانت تبعثر هنا وهناك ويصرف منها على الترف والشهوات فلا يصح أن تمتد الأيدي إلى فاضل الأوقاف.

وناحية ثالثة لم يكن يرضيها النظام الشوري وإقامة العدل، وهي الحكومة الفرنسية إذ ذاك؛ لأن شمول العدل والنظام الشوري واستقرار الأمور يضيع على فرنسا مطمحها في الاستيلاء على البلاد، فكان ممثلو فرنسا يحرضون الباي على التلاعب بالمجلس الشوري. ولما حضر نابليون الثالث إلى الجزائر وتوجه إليه باي تونس، وقدم له نسخة من قانون الشورى الذي وضعه، قبلها منه بالشكر ظاهرا، ونقدها أمام رجاله سرا، وقال: «إن العرب إذا استأنسوا بالعدالة والحرية لم نسترح معهم في الجزائر». وهكذا اتجهت سياسة فرنسا في هذه البلاد إلى التظاهر بتشجيع حركات الإصلاح والعمل سرا على إحباطها.

وهكذا كل يوم مشكلة وكل يوم نزاع، والإصلاح مستحيل مع هؤلاء، فاستقال وقال: «لقد حاولت أن أسير بالأمور في طريق العدالة والنزاهة والإخلاص فذهب كل مسعاي سدى، ولم أشأ أن أخدع وطني الذي تبناني بتمسكي بالمناصب، ورأيت أن الباي - وعلى الأخص وزيره الرهيب العظيم الجاه مصطفى خزنه دار - لا يلجآن إلى التشريعات الإصلاحية إلا لتبرير سيئاتهما تبريرا قانونيا، فقدمت استقالتي سنة (1279) من رياسة المجلس ومن وزارة الحربية، وعدت إلى حياتي الخاصة».

لم يشأ أن يثور بعد اعتزاله ولا أن يكون حزبا يناضل في سبيل تحقيق العدالة، فذلك ما لم يتفق ومزاجه ولم تتهيأ له البلاد، ثم هو تربطه بركني الاستبداد روابط تقيد حريته؛ فالباي مولاه، ومصطفى خزنه دار صهره، وموقف البلاد إزاء المطامع الأجنبية دقيق؛ لهذا كله اعتزل وسالم، ونفض يده من العمل الرسمي مع الإلحاح عليه في العودة، ولكنه لم يقطع علاقاته الشخصية بالباي والوزير، واستمر على هذه الحال تسع سنوات امتلأت بأمرين جديرين بالذكر: الأول: سفره سفيرا من الباي إلى ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا والنمسا والسويد وهولندا والدانيمارك وبلجيكا في مهمة خاصة، فمكنته هذه ورحلته السابقة - كما يقول - من دراسة الأسس التي قامت عليها المدنية الغربية، وبنت عليها الأمم الكبرى قوتها ونفوذها. والثاني: تأليفه كتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك».

3

عكف خير الدين في أثناء اعتزاله الوزارة على وضع كتاب سماه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، وسميت ترجمته الفرنسية «الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية». وكان في ذهنه عند تأليفه أن يحذو حذو تاريخ ابن خلدون، يؤلفه بروح العصر، ومطالب العصر، فاشتمل أيضا على مقدمة وتاريخ. فأما المقدمة - فقد أراد منها البحث في حالة البلاد الإسلامية وأسباب انحطاطها بعد ازدهارها وكيفية إصلاحها.

وأما التاريخ فقد استعرض فيه حال الممالك الأوربية، لا من ناحية تعاقب ملوكها وتسلسل حروبها، ولكن من ناحية وصف كل دولة في إدارتها وجيوشها، ونظام الحكم فيها، وماليتها وكيفية ضبطها، وقوتها البرية والبحرية. وقد وصف - على هذا المنوال - الدولة العثمانية وفرنسا وإنجلترا وروسيا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وهولندا والدانيمرك وبلجيكا وسويسرة واليونان، ثم وصف جغرافية أوربا الطبيعية ... إلخ، وكان أهم ما يقصد من ذلك أن يضع أمام القارئ العربي صورة لنهضة أوربا وأسبابها، وطريقة الحكم فيها حتى يقتبس المسلمون منها ما يصلح لهم وحتى يثير عندهم الرغبة في الاقتداء بهم والعمل على منوالهم، وقد أودع فيه خلاصة ما رأى في سياحاته وما قرأ وما فكر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٢٩