تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عماد أهلها الفلاحة، وآلاتها وأساليبها هي بعينها ما كانت عليه في القرون الأولى قبل الإسلام وقبل الرومان، وساهم بعض الأوروبيين في الزراعة، فطعموا الأشجار، وبخروها ولقحوها، فدرت عليهم من الأرباح ما لم ينله سكان البلاد. ثم قبض هؤلاء الأجانب على الأسواق الخارجية، وخاصة في أكبر غلة للبلاد، وهي زيت الزيتون، فمن ناحية أنشأوا المعاصر تدار بالبخار، ومن ناحية وضعوا أيديهم على ما ينتجونه وما ينتجه الأهالي، واحتكروا التجارة إلى الخارج إلا القليل النادر من أهل البلاد. وكان التونسيون يصنعون نوعا من النسيج اسمه «الشاشية»، وكانت مصانعها كثيرة، وكانت مصدر رزق الكثير منهم، ولكنها كانت تصنع بالآلات القديمة، فلما تقدمت الصناعة في أوربا، وكانت الآلات تدار بالبخار وتنتج نتاجا كثيرا حتى من الشاش هذا، رخص سعره، وأصيبت الصناعة في تونس بضربة قاضية حتى لم يبق من مصانعها التي تبلغ الألف غير ثلاثين؛ وناهيك بما يجره ذلك من الفقر والخراب، كما زاحمت «الجزمة» «البلغة» وقضت عليها، واختل الميزان التجاري فكثر الوارد وقل الصادر، وتغلب الفرنساويون والإيطاليون على السوق وأمسكوا بزمامه.

وكان مما أضعف التجارة سوء أدوات النقل وفساد الطرق، فهم ينقلون غلاتهم على الإبل والخيل والبغال ونوع من العربات البدائية، وتنقل القبائل البدوية غلاتها في قوافل، فإذا كان الشتاء وأمطرت السماء تشعثت الطرق فتعطلت الحركة.

وأما إدارة البلاد ففوضى أي فوضى؛ والحاكم حاكم بأمره، وأحب الناس إليه من يجمع له المال من حله وحرامه، ولا ضبط في دخل ولا خرج، والعدل والظلم متروكان للمصادفات، فإن تولى بعض الأمور عادل عدل، وكان العدل موقوتا بحياته - وقلما يكون - ونظام القضاء والجيش والإدارة والضرائب وجباية المال وإنفاقه على النمط العتيق البالي، وكثير من الأمور تنفذ بالأوامر الشفوية، لا مرجع ولا يمكن الحساب عليها.

وكانت تونس إذ ذاك تحت حكم البايات، والباي في تونس لقب كالخديوي في مصر، وكان الباي يتبع الدولة العثمانية تبعية ضعيفة، فيساعدها في حروبها ويحمل إليها مقدارا من المال وكثيرا من الهدايا. وإذا حدث مشكل دولي في تونس تدخلت الدولة العثمانية لفض النزاع وأرسلت مندوبا من قبلها؛ ليشرف على الحل ونحو ذلك. أما فيما عدا هذا فولاية تونس شبه مستقلة والباي حر التصرف.

ولكن فرنسا كانت قد استولت على جارتها «الجزائر»، ووضعت نصب عينيها إضعاف علاقة تونس بالدولة العثمانية شيئا فشيئا، وتوثيق علاقاتها هي بها شيئا فشيئا، وانتهاز الفرص للتغلب عليه نهائيا.

وكان باي تونس الذي ملك خير الدين هو الباي أحمد باشا الذي كان واليا من (1253 إلى 1271ه)، وقد أنعم عليه السلطان محمود بالخلعة السنية ورتبة المشيرية. ونحن نعلم أنه في عهد السلطان محمود هذا ألجأته الظروف القاسية، وضغط أوربا ومطالبها وضعف حال دولته الداخلية، إلى أن يجتهد في تنظيم الدولة على أسس جديدة يقتبس فيها من نظم أوربا وقوانينها وإداراتها. وكان مما فعل أن أرسل إلى الباي أحمد هذا يطلب إليه أن يدخل الأنظمة الحديثة في تونس وخاصة في الجيش، فطلب الباي الإمهال قليلا والتدرج في التغيير بسبب عادات البلاد وتقاليدها وعقليتها، ثم أخذ فعلا في تنظيم الجيش. •••

في هذه البيئة كلها التي وصفناها وصفا موجزا جدا وضع الشاب خير الدين قدمه في تونس.

2

تربى في قصر الباي أحمد - وكان من حسنات الباي أن اهتم بتعليمه ليعده رجلا من رجاله، والتعليم كله في تونس كان مصبوغا بالصبغة الدينية، فكان البرنامج الذي أعد له أن يتعلم القراءة والكتابة، ويحفظ ما استطاع من القرآن ويجوده، وشيئا من الفقه والتوحيد، فتقدم في كل ما تعلمه، وأخذ هو بعد ذلك يتوسع في العلوم الشرعية بمخالطة العلماء والاستفادة منهم، وعلماء اللغة والمران على الكتابة ومطالعة كتب التاريخ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٢٦