تكشف له البحث بعد ذلك عن مأساة؛ فهو شركسي الأصل، من أسرة أباظة، خطف وهو طفل على أثر غارة أو فتنة أو هجرة، وبيع رقيقا في سوق الأستانة، فاشتراه تحسين بك، وهذا باعه إلى أحد وكلاء باي تونس الذي أنفذه لشراء السراري والعبيد.
مأساة تبعث الأسى والحزن العميق، قد حرمته أن يتذوق عطف أبيه وأمه وينعم بحريته وهي لا يعوضها شيء في الوجود، حتى لو نعم في قصر تحسين بك أو قصر باي تونس فما هذا النعيم؟
وبيت تخفق الأرواح فيه
أحب إلي من قصر منيف
وكل أكل فاخر وملبس باهر ونعيم باذخ لا يساوي شيئا بجانب نظرة ينظرها تحسين وأهله وباي تونس وبلاطه إلى هذا الفتى على أنه عبد رقيق اشتري بدنانير معدودة.
كان هذا كل ما وصل إلى علمه عن طريق اليقين، ورجح عنده فيما بعد أن له أخا في مصر يشغل منصبا كبيرا في الدولة المصرية، ويمتلك ثروة طائلة، فأبت على خير الدين كرامته وإباؤه وظنونه - وما قد يعقب ذلك من تفسيرات تؤلمه - أن يكاتبه ويخبره، وفضل أن يحتفظ بذلك السر لنفسه وأقرب الناس إليه. •••
ومن قديم عرف الشراكسة في العالم الإسلامي، وهم قبائل بدوية تسكن البقعة الشمالية الغربية من بحر قزوين وجزءا من ساحل البحر الأسود، وكان عددهم كبيرا، فلما احتلت روسيا أخيرا بلادهم تفرق كثير منهم في تركيا وآسيا الصغرى، وقد انتشر الإسلام بينهم وكاد يعمهم من نحو ثلاثة قرون.
وفي الشراكسة فضائل البداوة من الشجاعة والكرم، ويمتازون بالنظافة والجمال، عرف عنهم ذلك، فكان الصغار والفتيان والفتيات يخطفون أو يباعون، ويصدرون إلى المملكة الإسلامية في عهد العصر العباسي الأول.
ولا تنسى مصر أنها حكمت بدولة المماليك الشراكسة من (سنة 724ه إلى سنة 923ه)، فاقتنى منهم سلاطين مصر عددا وافرا واستخدموهم في أعلى مناصب الدولة، وعهدوا إليهم بالشؤون الحربية، فأمسكوا بزمام الحصون والقلاع وعرفوا بالإخاء ومعاونة بعضهم بعضا، فلما أتيحت لهم الفرصة تغلبوا على الدولة وملكوا على البلاد أولهم السلطان برقوق، وظل الحكم فيهم إلى أن انهزم طومان باي أمام السلطان سليم، وكان مع طومان باي هذا أربعون ألف شركسي ذابوا كلهم وذووهم ومن أتى بعدهم في الأمة المصرية، فكانوا عنصرا من عناصر دمها. كما لا ننسى أن من أهم أسباب الثورة العرابية أول أمرها اعتقاد الضباط المصريين أنهم مغبونون إذا قيسوا بالضباط الشراكسة لترقيتهم دونهم. •••
كانت تونس حين حمل إليها خير الدين كسائر بلاد الشرق، مقرا لحضارة قد هرمت، وذهبت روحها ولم يبق إلا رسمها.
الحياة العلمية فيها أشبه بما كان في مصر قبيل عهد محمد علي، كتاتيب بدائية منتشرة في القرى والمدن، غايتها تحفيظ القرآن، وقلما يبلغون هذه الغاية، ويستطيع التلميذ بفضل مناهج الدراسة فيها أن يقضي عشر سنين وأكثر من غير أن يحسن القراءة والكتابة، وكل ما يبلغه النجيب منهم أن يحفظ القرآن أو بعضه.
وعلى رأس هذه الكتاتيب جامع الزيتونة، وهو صورة مصغرة من الأزهر في ذلك العهد، تقرأ فيه علوم الدين من تفسير وحديث وفقه وعقائد، وعلوم اللغة من نحو وصرف ومعان وبيان، في كتب مقررة لها متون وشروح وحواش، ويقضى الوقت في تفهم تعبيراتها وإيراد الاعتراضات عليها والإجابة عنها؛ فالعلم شكل علم ولا علم، والنتاج جدل لا حقائق، والناجح في الامتحان الذي يستحق أن يسمى «عالما» أقدرهم على الجدل وحفظ المصطلحات الشكلية. أما الجميع فسواء في عدم التحصيل؛ إذا مسوا الحياة الخارجية فالمناقشة العنيفة في أن شرب الدخان حلال أو حرام، والغيبة أشد حرمة أم سماع الآلات الموسيقية، و«خيال الظل» تجوز رؤيته أو لا تجوز؟ وجزء كبير من السكان بدو لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، ولا يصل إليهم شيء من علم إلا في بعض أماكن أنشأ فيها الصوفية زوايا تعلم الناس شيئا من الدين، وللجاليات الأجنبية من فرنسية وإيطالية وإنجليزية مدارس تعلم أبناءها وقليلا من أبناء البلاد اللغات والجغرافيا والتاريخ والحساب والجبر والهندسة، فتخرج من هم أقدر على فهم الحياة، فإذا انغمسوا فيها تحولت مالية البلاد إلى أيديهم.