تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعرف في أوساطه بالتدين ومحافظته على أداء الشعائر وتوقير الشريعة ورجالها، وإلى ذلك نزع إلى تعلم الفرنسية فأحسن تعلمها، فكان يجيد العربية والفرنسية والتركية.

وحدث أن الدولة العثمانية كانت قد اتجهت إلى تنظيم شؤونها وخاصة جيوشها - كما أشرنا قبل - وكتبت إلى ولاياتها بذلك، ومنها تونس، فأخذ الباي ينظم جيشه؛ وكتب إلى فرنسا يسألها المعونة في ذلك، فأرسلت إليه بعثة من الضباط الفرنسيين وعلى رأسها القومندان كامبنون الذي صار فيما بعد وزيرا للحربية الفرنسية في حكومة جامبتا.

فالتحق خير الدين بالجيش التونسي يتعلم من هذه البعثة، ومن ذلك الحين دخل في السلك العسكري، وكان هذا يوافق مزاجه الشركسي، فكان رئيسا لفرقة من الفرسان، وما زال يرقى حتى كان أميرا للواء الخيالة سنة (1266).

أفادته التربية الأولى أن يكون متدينا مثقفا مطلعا على أحداث الماضي قريبا من نفوس العلماء وخاصة الشعب، وأفادته التربية الثانية حب النظام وقوة الحزم وسرعة البت والصلابة في الرأي.

ثم اضطرته الظروف بعد إلى مزاولة الأمور السياسية والانغماس فيها. قد كان في أيامه هذه ثلاث شخصيات مشهورة، هي التي تدير دفة الحكم وتظهر على المسرح: الباي أحمد باشا، ومصطفى خزنة دار، ومحمود بن عياد. فالباي أحمد - مولى خير الدين - وال طموح يحب رقي بلاده، فيأخذ في تنظيم الجيش ويشجع نشر العلم، ويخصص المرتبات للعلماء، ويؤسس مكتبة فخمة في جامع الزيتونة، ويعيد تنظيم الإدارة الحكومية على أسس حديثة بتحديد الاختصاص، ولكن فيه إسراف وإفراط في الترف وقلة نظر للعواقب وخضوع لبعض الظالمين الماليين من رجال دولته؛ لحاجته إليهم فيما يسرف من مال، ونقطة الضعف هذه جعلته يتغاضى عما يأتون من مفاسد خطيرة.

ومصطفى خزنه دار وزير العمالة «المالية والداخلية» رجل مغربي الأصل جاء تونس وسنه دون العشر، فرباه أحمد باشا كما ربى خير الدين، وارتقى في الوظائف حتى صار وزيرا، وهو شخصية غريبة، لين بشوش، لا يقول لا لمن طلب منه شيئا ولو مستحيلا، يرضى بالوعد ظاهرا ويضمر عدم الوفاء باطنا، عف اللسان، «متدروش» يحافظ على الصلوات ويقرأ الأوراد ويقوم الثلث الأخير من الليل، وهو مع ذلك شره في جمع المال، لا يتورع عن السرقة والغضب ومشاركة السارقين والغاصبين. تولى الوزارة نحو خمسة وثلاثين عاما أثقل فيها كاهل الشعب بالضرائب والمغانم والمظالم، يفعل ذلك كله نهارا ويتهجد ليلا، يختلس المال ويعمر المساجد.

بدأ حياته سمحا كريما وختمها بخيلا شحيحا، زوج بنته من خير الدين لما تنبأ له بمستقبل باهر، وبسط سلطانه على الباي أحمد بحيله وأساليبه، غشى بصره فلم يعد يرى ظلمه وفساده، وحارب بكل قوته من تقرب إلى الباي أو من مال إليه الباي، حتى يضمن دوام نفوذه؛ يحبذ للوالي كثرة الإنفاق في الإصلاح وغير الإصلاح، ويشجعه على الإمعان في الترف والإفاضة في البذل، حتى يأسره بحاجته إليه وحتى يتخذ من كل ذلك وسائل لاستنزاف مال الشعب، بعضه له وبعضه للوالي.

ومحمود بن عياد يد مصطفى خزنه دار التي يقبض بها ويسرق بها ويستغل بها، وشريكه في المغانم والمظالم، وظيفته جمع الضرائب على اختلاف أنواعها، وشراء جميع ما تحتاجه الحكومة وما يحتاجه الوالي، وظل على هذا عشرين عاما؛ ذكي خبيث ماهر، يغالي في الضرائب ويتخذ كل الحيل حتى لاتصل مظالمه إلى سمع الوالي، فإذا وصلت احتال حتى ترفض، استطاع أن يجمع من الثروة من هذه الأبواب ثمانين مليونا.

رأى من بعيد أن الشعب بدأ يعلو أنينه وأنه يوشك أن يفتضح هو وشريكه، فهربا أموالهما إلى فرنسا، وادعى ابن عياد المرض وزعم أنه مسافر إلى باريس للتداوي، فلما وصل إليها أعلن عدم العودة، وطلب أن يتجنس بالجنسية الفرنسية، فأجيب إلى طلبه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٢٧