تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتاب «أم القرى» رواية جدية ليس فيها غرام وغزل، بل فيها غرام بالعالم الإسلامي يعاني في سبيله ما يعاني المحب الهائم، ويود من صميم قلبه أن يصل محبوبه إلى أعلى درجات الكمال، ويضحي من أجله بماله الذي ضيعه عليه الظلمة لتمسكه بالحق، ويضحي بوطنه فيهجره؛ لأنه لم يستطع أن يجهر برأيه في حلب فجهر به في مصر، ولا بأس، فكل بلد إسلامي وطنه - كان يحب التخصص، وأن كل قادر يحصر نفسه في فرع من فروع العلم أو الفن حتى يتقنه؛ حتى وضع ذلك في نظام المدارس التي كان يتمنى إنشاءها. فطبق ذلك على نفسه، فلم يوزع نفسه بين فقه ولغة، وما إلى ذلك، إنما وهب نفسه لإصلاح المسلمين، فدرس التاريخ الإسلامي في دقة وإمعان يتعرف فيه الأسباب والنتائج، كما تدل عليه كتابته، وساح في البلاد الإسلامية سياحة فاحصة منقبة، درس كل قطر إسلامي ومزاياه وعيوبه، حتى إنه لما وضع روايته «أم القرى» أنطق كل عضو بعقلية قطره: النجدي يشكو من ضياع الدين، والرومي يشكو من ضياع الحرية وسلطة المتعممين، والإسكندري يشكو ضعف الأخلاق، والإنجليزي ينعي على المسلمين عدم المجتمعات وتبادل الرأي بالخطب والمحاضرات ونحو ذلك.

اكتوى السيد جمال الدين الأفغاني من السياسة الأوربية ولعبها بالمسلمين، فصب عليها جام غضبه، واستغرقت حملته على السياسة الإنجليزية أكبر قسم في العروة الوثقى، واكتوى الكواكبي بالسياسة العثمانية فكانت موضوع نقده. نظر الأفغاني إلى البيئة الخارجية للمسلمين فدعاهم إلى أن يناهضوها؛ ونظر الكواكبي إلى نفس المسلمين فدعا إلى إصلاحها، فإنها إن صلحت لم تستطع السياسة الخارجية أن تلعب بهم. ولذلك كانت معالجة الأفغاني للمسائل معالجة تأثر، تخرج من فمه الأقوال نارا حامية، ومعالجة «الكواكبي» معالجة طبيب يفحص المرض في هدوء، ويكتب الدواء في أناة: الأفغاني غاضب، والكواكبي مشفق، الأفغاني داع إلى السيف، والكواكبي داع إلى المدرسة. ولعل هذا يرجع أيضا إلى اختلاف المزاج، فالأفغاني حاد الذكاء حاد الطبع، والكواكبي رزين الذكاء هادئ الطبع ، إذا وضعت أمامهما عقبة تخطاها «الأفغاني» قبل، وتخطاها «الكواكبي» بعد، ولكن من خير نقطة تتخطى؛ فلا عجب أن كان للأفغاني دوي المدافع، وكان للكواكبي خرير الماء، يعمل في بطء حتى يفتت الصخر!

لو مكن له معرفة لغة أجنبية، ووقف على ما وصلت إليه بحوث علم الاجتماع الحديث، لكان له منبع فياض إلى جانب غزارة فكره.

وبينما الناس يعجبون بما ينشره من مقالات إصلاحية في المجلات والجرائد، ومجلس الفضلاء في مصر عامر بحديثه وجدله ودفاعه المؤدب عن آرائه، إذا بالصحف المصرية تطلع بنبأ موته الفجائي يوم 6 من ربيع الأول سنة (1320)، فأسف عليه كل من كان محبا لإصلاح المسلمين، وبكى إخوانه الذين كانوا يرون فيه رجلا نبيل الخلق، سامي المقصد، عف اللسان، نقي الضمير. فرحمه الله!!

| زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث: خير الدين باشا التونسي

(حوالي سنة 1225 إلى سنة 1307ه) نحو (1810-1879م)

1

عقل فرأى نفسه في الأستانة في أسرة غير أسرته، في بيت تحسين بك نقيب الأشراف، ليست سيدة البيت له أما ولا تحسين بك أبا ولا أبناء البيت إخوة، وإنما يسمع همسا أنه عبد مملوك على معنى غامض لم يفهمه أولا - أين ولد؟ وأين أسرته؟ وكيف أتى إلى هذا البيت؟ سؤال محير كسؤال ابن الشبل البغدادي:

فماذا الامتنان على وجود

لغير الموجدين به الخيار

وكانت أنعما لو أن كونا

نخير قبله أو نستشار

وقول أبي العلاء:

ما باختياري ميلادي ولا هرمي

ولا حياتي، فهل لي بعد تخيير؟

ونظر فرأى تحسين بك يوما يعرضه على رجل يفحصه كما تفحص السلعة، ويصعد فيه نظره ويصوب، ويختبره من فرقه إلى قدمه، ثم يدفع مالا في يد تحسين، وينتقل هو إلى يده، وهذا يركبه مركبا يبحر به إلى تونس، وإذا به في بيت جديد هو بيت أحمد باي، باي تونس!! ما هذا الغموض كله؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٢٤