أسباب دينية أهمها:
عقيدة الجبر، ونشر ما يدعو إلى التزهيد في الدنيا، وترك السعي والعمل، واختلاف المسلمين فرقا وشيعا، وإضاعة سماحة الدين، وتشديد الفقهاء المتأخرين، وإدخالهم في تعاليمه الخرافات والأوهام، وعدم المطابقة بين القول والعمل في الدين، وتهوين غلاة الصوفية شأن الدين وجعله لهوا ولعبا، والتوسع في تأويل النصوص، والتحايل على التحرر من الواجبات، وإيهام الدجالين أن في الدين أمورا سرية، واعتقاد منافاة العلوم الحكمية والعقلية للدين، وتطرق الشر إلى عقيدة التوحيد، وتهاون العلماء في تأييدها، والغفلة عن حكمة الجماعة والجمعة والحج. (2)
وأسباب سياسية أهمها:
السياسة الخالية من المسئولية، وحرمان الأمة من حرية القول والعمل، وفقدانها الأمن والأمل، وفقد العدل والتساوي في الحقوق بين طبقات الأمة، وميل الأمراء للعلماء المدلسين، واعتبار العلم صدقة يحسن بها الأمراء على الخاصة، وإبعادهم للناصحين وتقريبهم المتملقين. (3)
وأسباب أخلاقية:
من الاستغراق في الجهل والارتياح إليه، واستيلاء اليأس على النفوس، والإخلاد إلى الخمول، وفساد التعليم، وفساد النظام المالي، وإهمال طلب الحقوق العامة جبنا، وتفضيل الوظائف على الصنائع، والتباعد عن المداولات في الشئون العامة.
وقد زاد السكرتير أشياء على ما سبق، أهمها: الغفلة عن تنظيم شؤون الحياة، وعدم توزيع الأعمال توزيعا عادلا، وعدم العناية بتعليم النساء وتهذيبهن، وسقوط الهمة وانتشار داء التواكل .
ولم يرض المؤتمر بالاكتفاء بالبحث في الأمراض وعلاجها، بل اقترح إنشاء جمعية دائمة تعنى بإصلاح المسلمين، وتشرف على تنفيذ برنامجها في الإصلاح، وهذه الجمعية تؤلف من مائة عضو: عشرة عاملون، وعشرة مستشارون، وثمانون فخريون، ولا عدد للأعضاء المساعدين المحتسبين، واشترط في الأعضاء العاملين شروطا دقيقة من العفة والأمانة والإخلاص وسعة العلم والقدرة على التأثير، وإمكان التفرغ للعمل لأغراض المؤتمر، وجعل مركزها في مكة، ولها شعب في الأستانة ومصر وعدن والشام وطهران وتفليس وكابل وكلكتا وسنغافورة وتونس ومراكش وغيرها، والجمعية لا تكون تابعة لحكومة ما، ولا تتقيد بمذهب ديني خاص، ويكون شعارها: «لا نعبد إلا الله»، ويكون من أهم أغراضها تعميم التعليم بين المسلمين، والترغيب في العلوم والفنون النافعة، وإيجاد المدارس العالية يتخصص كل منها للتوسع في فرع من فروع العلم، وتوحيد أصول التعليم، ووضع مناهج للرقي بالأخلاق وتنفيذها، وإنشاء مجلة شهرية للجمعية لتأييد أغراضها ... إلخ إلخ.
وقد اتفقوا على أن يكون مركز الجمعية المؤقت هو مصر، لتقدمها في العلم والحرية، ولأنها أسبق الأمم الإسلامية في ذلك.
وأخيرا تعرض الكواكبي للنزاع القائم بين الترك والعرب في زمنه، وناصر العرب على الترك، ورأى أنهم أصلح للأخذ بزمام الدولة، ووضع مشروعا لنظام الحكم بينه وأوضحه. وانفض المؤتمر بعد أن اجتمع اثني عشر اجتماعا وصل فيها إلى النتائج الآتية: (1)
المسلمون في حالة فتور عام. (2)
يجب تدارك هذا الفتور. (3)
أسباب الفتور. (4)
جرثومة الداء الجهل. (5)
الدواء تنوير الأفكار بالتعليم، وإيقاظ الشرق للترقي وخصوصا في الناشئة. (6)
تأسيس الجمعيات التي تقوم بهذا العلاج. (7)
المكلفون بذلك كل قادر على عمل، وخاصة نجباء الأمة من السراة والعلماء. (8)
تشكيل الجمعية الكبرى لهذا الغرض، ولتسم «جمعية تعليم الموحدين».
هذه نظرة الطائر إلى هذه الرواية العظيمة العميقة المفيدة، وهذا تفكير «الكواكبي» من نحو نصف قرن يشف عن سعة اطلاع وصدق إخلاص، وسمو فكر وبعد نظر، وشجاعة وصراحة!! فإذا نحن اطلعنا على ما كان يكتب قبله في المجلات والصحف في مثل هذه الموضوعات رأيناها كانت أقرب إلى موضوعات إنشائية جوفاء، فنقلها هو إلى بحوث علمية عملية، يحلل ويذكر العرض وسبب الداء وعلاجه في صبر وأناة واستقصاء.