تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال «النجدي»: إن سبب فتور المسلمين الدين الحاضر نفسه، بدليل التلازم؛ فالدين الحاضر ليس دين السلف. إن الدين الحاضر ترك إعداد القوة بالعلم والمال والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وإيتاء الزكاة إلى غير ذلك مما بينه إخواننا. قد يقول قائل: إن كل دين دخل عليه التغيير ولم يؤثر في أهله الفتور، بل قال كثير من رجال الغرب: إنهم ما أخذوا في الترقي إلا بعد فصلهم الدين عن شؤون الحياة الدنيا. والجواب: أن كل أمة لا بد لها من نظام ثابت تسير عليه ويلائم نفسها وبيئتها وعلاقاتها التجارية والسياسية، والقانون الطبيعي الذي يتفق والطبيعة البشرية هو إذعانه لقوة غالبة هو الله الذي يوحي به الإلهام الفطري. ولهذه الفطرة علاقة عظمى بتنظيم شؤون حياته، وهي أقوى وأفضل وازع - وكل الأديان راجعة إلى أصل صحيح واحد، فإذا تغير أو فسد فسد الناس لاختلال هذا الوازع، قال تعالى:

ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا . و«الأمة كلما قربت من الأصل الصحيح والمبادئ الصحيحة قربت من الكمال».

وهنا أعلن الرئيس أن البحث في أعراض الداء وأسبابه قد نضج أو كاد، فيكتفي فيه بهذا القدر، ويجب نقل البحث إلى موضوع آخر. قال: وكلمة أخينا النجدي تلهمنا الموضوع الآتي الذي نبحثه، وهو: ما هو الإسلام الصحيح؟

5

بعد هذا انتقل بحث المؤتمر إلى «تحديد الإسلام الصحيح» وما دخل عليه من تغيير. وقد أفاض في ذلك العضو النجدي، فقال: «إن الإيمان بالله أمر فطري في البشر، وحاجتهم إلى الرسل لإرشادهم إلى كيفية الإيمان، ويختلف الناس في تصور الله. والعقول البشرية مهما قويت واتسعت لا تتحمل إدراك صفات الله الأزلية المجردة عن المادة والزمان والمكان، فاحتاجت إلى من يرشدها».

وأساس الإسلام جملتان: «لا إله إلا الله»، و«محمد رسول الله»، وثمرة الإيمان بالأولى عتق العقول من الأسر؛ وثمرة الثانية الاهتداء بمحمد في تعاليمه التي تحول بين المرء ونزوعه إلى الشرك.

ولكن إدراك التوحيد والاحتفاظ به عسير على النفس، فسرعان ما تخرج منه إلى الشرك. والشرك على أنواع ثلاثة: «شرك في الذات» وذلك في عقيدة الحلول؛ و«شرك في الملك» كاعتقاد الناس أن في بعض المخلوقات المشاركة في تدبير شؤون الكون؛ و«شرك في الصفات» بإسباغ صفات الكمال على بعض المخلوقات.

وقد فشا في المسلمين هذا الشرك؛ كتعظيم القبور، وبناء المساجد والمشاهد عليها، والطواف بها والإسراج لها والتذلل؛ كدعوى أن هناك علما يسمى علم الباطن خص به بعض الناس، واتخاذ الدين لهوا ولعبا بالتغني والرقص، ولبس الأخضر والأحمر، واستخدام الجنة والشياطين، فكل هذه وأمثالها شرك محض أو مظنة إشراك.

وعرض الإسلام غير الشرك أمران خطيران، وهما: التشدد في الدين بعد ما كان يسيرا سهلا، فكانت كل فرقة تأتي تزيد في هذا التشدد حتى صار عسيرا صعبا، والأمر الثاني تشويش الدين بكثرة المذاهب والشيع وطرق التصوف.

وقد لاحظ الرئيس أن عضوين من الأعضاء لم يتحدثا، فرغب أن يسمع صوتهما، وهما العضو السندي والعضو القازاني؛ فأما السندي فقد تكلم في التصوف وما دعا إليه، وما فيه من حق وما فيه من باطل، وأما القازاني فقص عليهم قصة جرت بين مسيحي روسي أسلم ومفتي قازان، وتدور حول دعوة المفتي إلى تقليد السلف والاقتصار على ما قالوا، ودعوة الروسي المسلم إلى ضرورة الاجتهاد وعدم التقليد، وحكى ما جرى بينهما من حجج وأدلة، وأخيرا انتصر المسلم الروسي المستشرق على المفتي، فاقتنع بأن التقليد ضار حمل عليه الكسل، وأن الاجتهاد واجب ولكن يحتاج القيام به إلى جد وعناء.

ثم دعا الرئيس السيد الفراتي السكرتير، وهو «الكواكبي»، لتلخيص المحاضر السابقة للمؤتمر وتعداد أسباب فتور المسلمين، وكلفه أن يزيد عليها من الأسباب ما يراه إن وجد غير ما ذكره الأعضاء؛ فلخص أسباب فتور المسلمين في: (1)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٢٢